مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٦ - الفصل السابع القدر والقضاء بحث مقارن
إن الفكرة القائلة بقدم القدر والقضاء وأنهما من ذات الله سبحانه، فكرة تنتهي الى القول بالجبر. والجبر ينتهي الى استحالة المسؤولية والتهرب أو الهروب منها، فضلا عن تفنيد قانون الجزاء والثواب والعقاب، وبالتالي ظلم الله لعباده. وهذا القول بعيد عن شرع الله، وفطرة وعقل الانسان.
اما القول بحدوث القدر والقضاء- وهو مفهوم ومنطوق الشريعة الاسلامية- فمنبعه القول بالقدرة الالهية التي أوجدت هذا الانسان من التراب وستعيده إليه مرة أخرى. وهومفهوم ومنطوق قوله تعالى: إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (البقرة/ ١٥٦) فالله سبحانه هو الذي خلقنا وملكنا ونحن اليه عائدون. ونحن بين الخلق والعود احرار بالقدرة الربانية التي تمدنا بأسباب الحياة، وتُهيء لنا فرص إثبات الوجود وجدارة استحقاق الدخول الى الجنة التي هي مصداق العدالة والرحمة الالهية. فالله جل جلاله ليس ينبوعاً يخرج الماء منه فلا يعود اليه، بل الحكمة ذاته والعدل ذاته والعلم ذاته، وحاشاه ان يخلق الانسان فيقضي عليه بالشقاء الدنيوي ثم يدخله نارا في الآخره. فهو لارغبة لديه في تعذيب أحد أبداً.
وذهبت فئة أخرى الى نفي القدر والقضاء مرة واحدة، وقال أتباع هذه الفلسفة بأن الله قد خلق الكون وتركه لشأنه. ومنهم من عزا ذلك الى ان الله يتعالى عن التدخل في شؤون المخلوقات، بل هو عاجز عن التدخل بسبب الفاصلة غير القابلة للتصور بين عظمة ذاته وبين حقارة الكون والمخلوقات. في حين بررّ آخرون القول بنفي القدر والقضاء بأن الله خلق الخلق ضمن قانون آلي- ميكانيكي- مثل ما يصنع صانع الساعات الساعة، فهو يصنع آلاتها ثم يركب هذه الآلات ثم