مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٦ - نظرة الاسلام الى الوجود
شيئاً من المادة الاولى بشيء من المادة الثانية فصار هذا الكون.
إذاً؛ فالكون مخلوط من مادتين: مظلمة خبيثة ونورية لطيفة، لذلك ترى الخير والشر في هذا الكون؛ حيثما هما مخلوقان. والقرآن الكريم يقول: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (الانعام/ ١) ويقول أيضاً: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (البقرة/ ٢٥٧). فالظلمات مادة مجعولة ومخلوقة وليست عدمية كما قد يتبادر الى الأذهان، والنور كذلك مادة مخلوقة. وفي يوم القيامة تنفصل المادتان عن بعضهما ليمتاز الذين آمنوا عن الذين كفروا. فمادة الخير تنفصل الى الجنة، ومادة الشر ستنفصل أيضا الى النار. فالمخلوق النوري هومن كان يعمل الطيبات فيسدخله الله جنته، والمخلوق الناري حري أن يدخل النار لأنه لم يحاول التخلص من خبث الظلمات رغم النعم الإلهية والقابليات التي زوده بها.
فالإنسان حينما يأكل مال اليتيم فهو في واقع الأمر يأكل نارا، وحينما يظلم يدخل في نفق مظلم، وحينما يكذب تخرج من فمه رائحة منتنة يتأذى منها أهل السماوات، وحينما يغتاب يأكل لحم أخيه .. إلا أن هذا الانسان عاجز من وجهة النظر المادية عن إدراك ولمس هذه الحقيقة في الدنيا، لأنها عالم بسيط جدا بالقياس مع عالم الآخرة.