مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٠ - الفصل الثاني البداء تجلي إرادة الله
وهذه التساؤلات ومثيلاتها هي التي حدت بالعقل البشري الى الانحراف عن الصراط المستقيم. فتصورت نظرية فلاسفة الفرس القدماء أن في الكون الهين إثنين: إله الخير (أهورامزدا) وإله الشر (أهريمن). فقال بعضهم بوجوب عبادة إله الخير لأنه مصدر الخير والنور، فلذلك هم يعبدون النار لانها تصوير مباشر للنور. وذهب بعض منهم الى لزوم عبادة إله الشر لكسب وده على الأقل! ولأن إله الخير إله رؤوف بالناس ولا يحتمل صدور عقوبة منه تجاههم؛ ثم إنه في غنى عن عبادتهم .. وعليه فقد عبد هؤلاء الشيطان لأنه رمز الشر؛ وقد مثلوه بالطاووس.
أما أصحاب مذهب المانوية فقد اعتقدوا بثنائية الإله؛ فمنهم من قال بأن الخالق والمخلوق ليسا في الحقيقة إلا شيئا واحدا، وفي ذلك اتحاد (الواجب) و (الممكن) اتحاد وجود؛ مؤكدين بأن الوجود ليس أجزاء متفرقة، بل هو وحدة واحدة، تنقسم قسمين: إله وعبد للاله. وعبد الإله ليس إلا إلها، ولكن بدرجة متفاوتة. وأكدوا أيضاً بأن قضية الاتحاد هذه تشبه تماما أصل الماء وروافده وسواقيه أو البحر وأنهاره؛ حيث تبخر أشعة الشمس بعض ماء البحر فيتحول الى غيوم ممطرة ثم يملأ المطر السفوح والوديان فيتجمع على هيئة أنهار تصب في نهاية المطاف في البحر وهكذا .. وقد أدخلت هذه الفكرة- بهتاناً- في الديانة المسيحية حتى ادعى المسيحيون أن المسيح ابن الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (الانعام/ ١٠٠). وتبعا لذلك فإن البعض يعزو الصراع بين النبي موسى بن عمران عليه السلام وفرعون الى أسباب غير الاسباب المعروفة، ويعتقد بأن موسى كان يؤيد بأن فرعون إله ولكنه ليس الإله الوحيد؛ وإن كل الناس آلهة.