مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - أولا التحرر
ولكن الله اعطى لسليمان الذي عبد الله وعظمه أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الريح، وعلّمه منطق الطير، وكان عنده من حمل اليه عرش ملكة سبأ من اليمن الى كنعان في طرفة عين. كل ذلك لأنّه عبد الله ولم يخضع للطبيعة. وقال الله عنه: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ* فَسَخَّرْنَا له الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ (ص/ ٣٥- ٣٦)
إنك تجد سليمان يستغفر الله، فيتوب عليه ربه، فيدعوه ويستجيب الله له. ولو كان سليمان- إذ فُتِن- سقط في هوة القنوط وزعم أنه من أهل النار، وقد قدر له أن يكون كذلك الى الابد، فانه لم يتب ولم يغفر له. ولكنه حلق بوعي البداء، ووعي قدرة الله. وان رحمته تسبق غضبه وان قضاءه يغلب قدرته، وانه يتوب عن المذنب. وبالتالي إن من الممكن أن يصلح الانسان نفسه بعد الفساد، حلق بهذه البصيرة حتى نال ليس الصلاح وحده وانما الملك الكبير.
ونتساءل: لماذا بعد الاحساس بالذنب وبعد الاستغفار، سأل سليمان الملك الكبير من ربه؟ قد يكون الجواب ان الانسان بعد أن يستغفر ربه يجد الله تواباً رحيماً، ويؤمن بقدرة الله المطلقة، ورحمته الواسعة. وحينئذ يتذكر تطلعاته المكبوتة، ويرى ان من الممكن تحقيقها بفضل الله وبفضل رحمته الواسعة، فلماذا لايطلبها ولماذا لا يطلب من الله الذي قبل توبته، وأصلح ما افسده، وبدل سيئاته حسنات، لماذا لايطلب
من هذا الرب الغفور الرحيم هذا الرب الغني القادر لماذا لايطلب المزيد؟ فيطلب ويعطى.