مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٠ - الفصل الأول العلم شعاع العقل
هل ان هذه الصورة مطابقة لتلك الاشياء ام مخالفة لها؟ نعم التصور موجود لدى الانسان، فهو يمكنه ان يتصور شيئا ما، او يتوهم او يتخيل شيئا ما، لكن هذا التصور والتوهم ليس هو العلم بذلك الشيء. فالانسان يمكنه مثلا ان يتخيل بحراً من الزئبق يمخر فيه قارب من فضة يقوده إنسان من ياقوت؛ اوحتى يمكنه ان يرسم هذه الصورة على لوحة أو ينشدها شعرا او انشودة او مسرحية، ولكن هذا الظن ليس علماً بل هو الظن فحسب، والظن لا يغني عن الحق شيئاً.
وكما يمكن للانسان ان يتصور الاشياء، كذلك يمكنه ان يصدق بالاشياء، فالتصور بسيط، والتصديق إنما هو الحكم على أمرين فبأمكان الانسان ان يزعم انه إله مثلًا وانه الرب الاعلى كما زعم فرعون ونمرود، لكن هذا التصديق ليس هو العلم لانه ليس مطابقا للواقع الخارجي. العلم هو أن تكشف الحقائق والأشياء كشفاً ظاهراً وحاضراً. فحين يعرف الانسان ان الوقت الآن مثلا ليل؛ فذاك ليس تصورا في ذهنه ولا هو تصديق عنده، وانما هو كشف وظهور وحضور للشيء عنده.
هذه النظرية وإن اعترف بها الكثير من الفلاسفة القدماء والجدد- كديكارت مثلًا من الفلاسفة الغربيين المتأخرين- إلّا أنها قبل ذلك من البصائر الاسلامية التي ما استكملت وما تبلورت إلّا بالقرآن الحكيم وأحاديث النبي واهل بيته عليهم الصلاة والسلام. فآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الاكرم والأئمة من أهل بيته عليهم السلام هي التي ذكّرتنا بحقيقة ان العلم نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب من يشاء من عباده، يقول تعالى: عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. (العلق/ ٥) وانه جلت قدرته خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. (الرحمن/ ٣- ٤) وانه تعالى