مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - البداء تجلي إرادة الرب
وقصة النبي يونس عليه السلام تشير الى هذه الحقيقة وهي قدرة الله على الفعل والارادة متى يشاء وكيف يشاء، إذ أمره الله تعالى بمغادرة المدينة لان العذاب سينزل على قومه، فامتثل الرسول لهذا الامر، ولما عاد بعد مدة وجد المدينة والقوم على ما تركهم عليه، فلا عذاب نزل ولا قوم هلكوا. فسال ربه متعجبا عن سر ذلك، فانبأه الله بأن قومه قد آمنوا قبيل وقوع العذاب، فانتفت حكمة العقاب. فقال سبحانه: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهآ إِيمَانُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (يونس/ ٩٨).
ومعنى البداء أن الخالق قدر لك- مثلًا- أن تكون شقياً بسبب شقاء أبويك، أو بسبب جريمة ارتكبتها، أو بسبب الظروف المحيطة بك، ولكنه قد يمحو سيئاتك ويكتب- مرة أخرى- لك السعادة بقدرته اللا متناهية بعد أن تضرعتَ إليه بالعمل الصالح والبكاء والتودد والتوسل في إحدى الليالي العظمية كليلة القدر المباركة- مثلًا-.
وإن الاعتقاد والايمان بهذا الواقع لا يناقض الفطرة أبدا، بل هو أقرب ما يكون إليها ...
وإذا كان الواقع غير ما نذهب اليه فإن ذلك يعني أن الله سبحانه وتعالى قد كتب على جميع الناس أن يعبدوه وأن يعملوا صالحا، في حين أنه قد قدر لهم مقاديرهم ومصائرهم المتعددة والمختلفة، وهذا عين التناقض. فلو كان قد قدر لنا أن نكون
سعداء أو أشقياء ونحن في بطون أمهاتنا- ولا محيص عن تغيير ذلك- فما معنى أن يأمرنا جميعا بالسعي نحو السعادة والخير، ونهانا ان نقع في مهاوي