مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٢ - ثانيا التطلع
ثانياً: التطلّع
والمؤمن بالبداء يرى الحياة مهرجاناً من الحركة والحيوية والتطور والتعامل، إنه يرى أمامه آفاقاً لايبصر نهايتها، آفاقاً من القدرة على التقدم والرقي، وهكذا يثار في نفسه فطرة التطلع التي جبل عليها، ويدغدغ ذلك الأمل الذي جعل وقود التكامل في ضمير البشر؛ أمل الملك والهيمنة، أمل المثل والأخلاق، أمل النمو والرفعة .. وبكلمة أمل لقاء الحي القيوم والقرب منه. والمثول بحضرته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وهذا التطلع هو وجدان كل انسان، وهو روح كل حضارة، وهو بذرة كل تقدم عند البشر. وبالرغم من كل الوساوس الشيطانية التي تحاول أن ترسم صورة جامدة للوجود امام الانسان، ترسم صورة رتيبة لاتطور فيها ولا تسامي، صورة مغلقة لا انطلاق فيها ولا حيوية. بالرغم من هذه الوساوس التي يبثها الفكر الفلسفي الجامد في روع البشر منذ آلاف السنين، إلا ان ذلك الزخم الكبير الذي يولده تطلع البشر يدفعه الى التكامل. وهو يرى أن العالم ليس- كما يزعم البعض- زمهريراً من الجمود، وصقيعاً متراكماً من الحتميات والقيود .. إنه كما اشعة الصباح، ونسيم
الربيع، وغناء البلابل، وتيار الأنهر، وحيوية البراعم .. إنه دفء وحركة ونمو وتحول وتدفق.
تعالوا نقرء قصص القرآن المضيئة من جديد. تعالوا نقرء مثلًا سورة" ص" وكل سور القرآن وآياته متشابهة، ففي هذه السورة نقرء قصة داود الذي سخر الله له الجبال، وجعل الطير محشورة كل له اواب، وآتاه ملكاً وحكمة وفصل خطاب .. وبعد أن امتحنه جعله خليفة في الارض ثم قال: وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى