مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٧ - سبيل المعرفة
أما التفكر في آيات الله جل ثناؤه فهو أمر ينتهي بنا- بلا شك- الى الايمان بالله والتقدم على طريق توحيده. ولقد كان النبي الاعظم محمد صلى الله عليه وآله يقوم في الليل ليصلي ثم ينام هنيهة، ثم يقوم لصلاة أخرى، وهكذا الى الثلث الاخير حيث لم يكن ينام فيه. ثم يخرج المرة بعد الاخرى وينظر الى السماء والنجوم ويقرأ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران/ ١٩١)
إن التفكر في النجوم يهديك الى معرفة الله، كذلك التفكر في الافلاك والشمس والقمر، وفي حياة الناس والخلائق، وحتى في معيشة النملة الصغيرة كيف تتحرك وكيف تستطيع أن تحمل ما يفوق وزنها سبع مرات، وفي معيشة النحلة وكيف ألهمها الله جل جلاله أن تصنع خليتها الجميلة والدقيقة وأن تخزن العسل لها ولغيرها؛ تفكّر في الورود وتفكر في طبيعة الانسجام بين أعضاء الطبيعة؛ تفكر في خلقك، في عينيك ويديك وصحتك وفي ألوان وأقسام النعم التي تحيط بك؛ تفكر في حزنك وفرحك .. أنظر الى اختلاف الالوان والالسن وانسجام الامور، كل شئ يهديك الى ربك. فإذا تدبرت بفكرة البصير لا شك أن الله سيزيدك من عنده معرفة وايماناً. وهذا هو العرفان الاسلامي الذي لا يحتاج منك أن تذهب يميناً وشمالًا، كما تنقل القصص عن رابعة العدوية- وهي من المتصوفين المعروفين- حيث كانت جالسة في غرفتها الحالكة الظلام وكان اليوم ربيعياً مشرقاً فدعاها خادمها الى ان تمتع ناظريها بمنظر الورد والاشجار والجمال الخلاب على ضفاف نهر دجلة، فأجابته وهي مغمضة العينين من داخل غرفتها