مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - الجنة ثمن التوحيد
فالبعض في هذه الدنيا يطمح لان يكون الاول في كل مضمار من مضامير الحياة، والبعض الآخر يكتفي بالفتات من كل شيء. البعض يدعو الله لان يمنحه امرا بسيطا لا يتناسب حتى واحتياجاته الدنيوية، اما البعض الآخر فلا يكتفي بالطلب الى الله سبحانه وتعالى ان يقيه عذاب نار جهنم فحسب، بل يتطلع ويسمو الى الدرجة الاعلى ليتمنى على الله- وهو القريب المجيب- أن يقيه الخزي في يوم القيامة، بنفس الدرجة التي يطلب فيها ان يرزقه الرضوان الالهي الذي قال القرآن الكريم عنه انه اكبر من الجنة ذاتها، و انه هو الفوز العظيم. وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة/ ٧٢).
ان ذلك كله منوط بمستوى معرفة العبد بربه بعد معرفته بنفسه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله:"
من عرف نفسه فقد عرف ربه
". ( [١]) وهذه المعرفة هي المقياس الأوفى المحدد لشخصية الانسان، وغير ذلك من المقاييس لا يعدو كونه هباءً غير ذي بال، لا سيما إذا تذكرنا ان مظاهر الوجود لا محالة آيلة الى الزوال والانعدام في يوم من الايام كان عند الله موقوتاً.
ولا ادل على ما تقدم بان آيات القرآن المجيد تحدثنا وبمطلق الوضوح والصراحة عن هذه الحقيقة؛ حيث تقول: رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (آل عمران/ ١٩٣)
[١] () بحار الأنوار/ ج ٢/ ص ٣٢/ رواية ٢٢.