مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤ - الرب القاهر والانسان الحر
الوجود الرحب: انَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الانسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا (الاحزاب/ ٧٢). لقد سجد الجميع للانسان إلا إبليس؛ ابى عن أن ينصاع للأمر الالهي المقدس، واستكبر على السجود وطاعة الانسان؛ الانسان الذي هو خليفة خالقه في أرضه.
إن الانسان الذي تفوق على الجميع، حين قبوله تحمل أمانة المسؤولية الكبرى، أصبح الجميع طوع اختياره إلا طرف واحد يقف على النقيض منه، وهو إبليس وجنوده. فهذا الكائن الشيطاني أصبح موكلا- بتمرده- باضطهاد قلب الانسان، فهو قرين النفس الأمارة بالسوء. فكان لابد على الانسان أن يقاوم هذا العداء، وهذا العدوان، وينتصر عليه خير انتصار.
أصبح الانسان على اطلاع كامل بأن قابلياته المخلوقة فيه قادرة على تسخير كل شيء؛ قوة الشمس والرياح والذرة والنفط والجبال والبحار .. ولكنه ينبغي أن يحذر أمراً واحداً وهو إبليس المتعرض له في الطريق. وعليه أن يسخره أيضاً بواسطة الحذر من أن يتمكن من سلب قابلياته، وحريته في استخدام هذه القابليات.
إن القرآن كله عبارة عن هتاف عال موجه الى الانسان؛ الانسان فحسب، يقول بأن الانسان كائن حر مسؤول، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (الانسان/ ٣) و فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (الزلزلة/ ٧- ٨) وغير ذلك مما يجسّد ويصوّر حقيقة شرك من يعتقد بقاهرية الاقتصاد والجنس والطبيعة والاجتماع.