مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - الرب القاهر والانسان الحر
الرب القاهر .. والانسان الحر ..
إن الكثير من الناس يتصورون بأن السلطات الظالمة عامل قاهر لا يستطيعون تجاوزه أبداً، ولأنهم كانوا يزعمون بقاهرية السلطة والسلالة الحاكمة فقد رفعوها الى مصافّ الإله، أو استعاضوا بها عن الإله. وقد عمد البعض الى الخنوع والخضوع لتصورات خرافية أخرى، حيث اعتقدوا بقاهرية الظواهر الطبيعية والموجودات الفضائية من قبيل النجوم والشمس والقمر، حتى رفعوها الى مستوى الرب الجليل.
فجاء القرآن الكريم نافيا بالدليل القاطع كل تلك التصورات الخاطئة؛ مؤكداً في الوقت ذاته بأن الله" هو القاهر فوق عباده"، وهو مصدر الوجود ومنبع الخيرات، وهو الذي زوّد الانسان بالحرية والاستطاعة .. مشيرا في غير آية مباركة الى أن الله الذي أنعم على الانسان بالقابليات العديدة، جعله حرياً بأن يستفيد من الحرية الممنوحة له، وأن يستثمر هذه الاستطاعة في تسخير العالم لمصلحته؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ونطالع في قصة آدم عليه السلام والأمر الالهي المقدس القاضي بسجود الملائكة له وإطاعته إشارات واضحة الى ما أنعم الله به عليه، باعتباره أباً للبشرية. لقد انصاع الملائكة كلهم لهذا الأمر إلّا إبليس- لعنه الله-. ومن المعلوم إن إبليس لم
يكن من جنس الملائكة؛ ولكن الله استثناه منهم- رغم إن هذا الاستثناء وهذا التجريد مخالف في ظاهره لاصول علم اللغة واستخداماتها- لنكون على اطلاع بأن المقصود أن جميع الوجود قد سجد لآدم والانسان، لأنه الكائن الوحيد الذي قبل بإختياره حمل الأمانة والمسؤولية في تحكيم الارادة الالهية في