مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٦ - الفصل الحادي عشر ماهو الوجود؟
هذا النوع من التفكير، بل العكس والضد من ذلك هو الثابت عنهم- صلوات الله عليهم أجمعين- حيث تؤكد مأثوراتهم بأنّ الله تعالى هو القوي الكبير، وأن الانسان هو العبد الضعيف الصغير، وأن الفاصلة بين الجانبين كبيرة جداً.
ولكن مشكلة الانسان الخالدة انّه حينما يريد أن يتعدّى حدوده ويتجاوز عبوديته وضعفه وعجزه وحقارته لا يسلك الطريق القويم في ذلك، بل يقع في أخطاء أسلافه مثل فرعون ونمرود وبقية الطغاة والجبابرة والمستكبرين في الارض، فيدعي الربوبية أو الاتحاد مع خالقه، بدل الاعتراف بالعبودية لله عز وجل.
إن الانسان إنما يكون أقرب الى خالقه، حينما يسجد له ويعترف بالضعف والتقصير في جنب الله ضمن حالة الخشوع والجأر اليه.
ولعل الطريق الأقوم لمعرفة الخالق حق معرفته يكمن في طريق التسبيح والتقديس، باعتبار أنّ التسبيح هو أرفع وأقدس ما يذكر به الله سبحانه وتعالى.
ولسنا نحن الوحيدين الذين نسبحُ الله ونقدسه، فالكون كلّه مجبول على التسبيح لله الواحد الأحد بشهادة قوله عزّ من قائل: وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (الاسراء/ ٤٤)، وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (الحشر/ ٢٤)، وقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (الحديد/ ١). وقوله تعالى في معرض الحديث عن النبي داود عليه السلام: انَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ (ص/ ١٨).
وهذه المعاني تنتفي كلياً إذا ما اتحدّ المخلوق بخالقه، إذ لمن سيسبح المخلوق؟ وإنما التسبيح هو تقديس وتمجيد الخالق وتنزيهه عن التشبيه بخلقه.