مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - البداء تجلي إرادة الرب
الشقاء؟! بل وما معنى أمره بأن ندعوه وأنه قريب مجيب؟ فنحن إذا نفينا الاعتقاد بمبدأ البداء وتملصنا عنه يكون لزاما علينا أن نترك العبادة والعمل الصالح ونقف مكتوفي الايدي بإنتظار مصيرنا، بل يكون الأحرى بنا أن نطلق العنان لأنفسنا ونتنعم بملذات الدنيا- حلالها وحرامها- لنكون قد ضمنا إحراز واحدة من اثنتين- على الأقل- لذات الدنيا لا سيما وأننا نجهل مصيرنا في الآخرة!!
إذا عدنا الى قصة النبي يونس عليه السلام مرة اخرى نكتشف الكثير من الحقائق، وذلك لمعالجتها قضية شديدة الأهمية بالنسبة للعقيدة الاسلامية. فهذا النبي العظيم كان قد دعا الله على قومه بان يذيقهم العذاب بكفرهم فاستجاب الله له وأنبأه بأن العذاب واقع في الساعة الفلانية، و لما حلت ساعة المصير غادر النبي المدينة وكان على يقين بأن العذاب واقع بهم، وحينما أراد العودة سأل بعض الناس عن الخبر فقيل له إن قومه يعيشون على ما يرام ولم يمسهم عذاب. فذهب مغاضباً وركب إحدى السفن لا لوجهة معينة، فأعترض أهل السفينة حوت عملاق، فاقترعوا فكانت القرعة على النبي يونس بالذات رغم تكرار الاقتراع عدة مرات فأخذوه ورموه الى فم الحوت وابتلعه، فبقي مدة في بطن الحوت سجيناً. وقد يكون هذا جزاء لإحتمالات عديدة: لأنه دعا على قومه في عجل أو أنه لم يتوغل في نفوس قومه ليعرف ما تبقى فيها من أمل بالله العلي الكبير، أو يكون لعدم سؤاله من الله عن السبب في رفع العذاب عنهم ...
فكان جزاؤه أن يبقى في بطن الحوت الى يوم يبعثون، لكنه دعا الله مرة أخرى، يملأه الاعتقاد بأن من السهل اليسير على الله أن يغير في مصيره المقدر. فاستجاب له الله ونجاه من الغم، وكذلك ينجي المؤمنين من الحوادث والمقادير ...