مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٧ - الفصل السابع القدر والقضاء بحث مقارن
يشحنها بالطاقة ثم يتركها لشأنها تعمل وتعمل حتى تنفذ طاقتها. ونفي القدر والقضاء هذا كان يسمى في المنطق القديم (التفويض).
وبين الجبر والتفويض لا يزال الاسلام يؤكد حقيقة أخرى؛ حقيقة صادرة عن الخالق نفسه، وهي في الوقت ذاته تتلاءم والفطرة الانسانية النزيهة.
تشير الشريعة السمحاء الى أن الله رسم خريطة الكون من حيث التقدير؛ وللانسان حرية انتخاب الطريق الذي يرتئيه لنفسه للسير ضمن هذه الخريطة. فالله تعالى أنبأ هذا المخلوق بحتمية وجود يوم القيامة؛ اليوم الذي لا يعلم ميقاته إلّا الله، والله نفسه بيّن للانسان طرق الملتقى حتى ذلك اليوم. فالانسان ليس كالساعة، إذ من الحمق تشبيهه بالآلة، وهو ليس سجيناً، إذ من الظلم نسبة الظلم الى الله.
ولقد لعن نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وآله قدرية هذه الامة واعتبرهم كاليهود، والمقصود هنا: القدرية بالمعنيين: الجبر والتفويض. فالقدرية اصطلاح يعم من قال بجمود القدر ومن قال بفوضويته.
وسواء قال الانسان بالجبر أو قال بالتفويض فالنتيجة واحدة، وهي تجرده عن إنسانيته ومسؤوليته. فمن يذهب الى الجبر يؤكد بأن الله هو المسؤول عن أعمالنا؛ لانه هو الذي يحركنا. ومن يذهب الى التفويض يؤكد بأن لا شأن لله في خلقه، وبالتالي وقوف هذا المخلوق حائراً متسائلًا عن سبب وجوده والى أية نقطة يسير؟!
أما الايمان بالقضاء والقدر فهو دافع الى الايمان بوجود شريعة لله والى الالتزام بها، كما هو دافع الى الايمان بقدرة الله على أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء