بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٥ - ما للظالمين من نصير
والوحي لا شك غيب من الغيوب، ونحن نعلم- ضمن المُسلَّمات الدينية- أن القرآن الكريم كان نصًّا غيبيًّا مخزوناً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله تبارك وتعالى على قلب الحبيب المصطفى نصًّا ظاهراً ومعنىً باطناً .. وكما أن الرسول الأعظم (ص) كان مأموراً بأن لا يعجل بتلاوته والإفصاح عنه لحين وقته حيث يقضى إليه وحيه، تبعاً لإرادة الله وحكمة الإبلاغ؛ كذلك فإن الرسول الأكرم (ص)، لم يُؤاتهِ أن يُوضِّح كل معاني وغيب القرآن في فترة حياته الكريمة .. فأوكل- بأمر الله تعالى أيضاً- تبيين آفاق القرآن المجيد إلى الأئمة من بعده، باعتبارهم موضع سرّ الله وخزنة علمه والأمناء على معالمه .. فترى النبي (ص) قال في الحديث المتواتر
أَنَا مَدِيْنَةُ العِلْمِ وَعَلِيُّ بَابُهَا
[١]. وهو لم يقل ذلك محاباةً لابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) القائل
سَلُوْنِيْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوْنِيْ [٢].
وهذه هي حال الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الذين خلفوا عليًّا أمير المؤمنين (ع)، وهذه أبواب العلم التي فتحها الرَّبُّ سبحانه لعباده، ولكن كثيراً منهم تجاهلوها فحرموا أنفسهم من العلم.
١- وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَ ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
إذاً ربُّنا سبحانه قد فتح للبشر أبواب العلم، ودلَّهم على سبل العروج إليه، ووفَّر لهم فرصة الرُّقي إلى رضوانه، ولكنهم أهملوا فولجوا أبواباً أخرى وأشركوا بالله ما لم يعلموا. وهذا معنى عبادة ما لم يُنزِّل الله به سلطاناً وهو عبادة الله بغير علم، وهذا هو الظلم الكبير. ولكن لماذا اتَّخذ الظالمون ولائج من دون الله؟ ففيما يلى بعض التفصيل.
أولًا: إن غرور الإنسان بسبب جهله أو غفلته، أو بسبب أنانيته، أو
[١] الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٥٧٤.
[٢] نهج البلاغة، خطبة رقم ١٨٩.