بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٦ - ويستعجلونك بالعذاب
ومخلوقه، فمهما تمرَّد العبد على قانون سيده، يبقى قاصراً كل القصور عن أن يتصوَّر بأنّ تمرُّده هذا سيبلغ به أبد الدهر؛ لأن عمر العبد محدود، ولأنه لا قيمة للدهر الدنيوي في حسابات الله تعالى، حتى الحسابات التي يضربها لعبده مثالًا، بناءً على محدودية أفقه، ومن هو الذي يطمح إلى العيش ألف سنة في نطاق الكفر والعصيان إذا كانت الألف سنة مجرد يوم عند الله، هذا إن قُدِّر له العيش طيلة هذه الفترة بكامل قوته وبكل إمكاناته .. والحال أن أعظم إمكانات ابن آدم لا يسعها إلَّا الاستسلام أمام أضعف جنود الله.
ثم إنه ليس من الصحيح أن نُصوِّر الأمور ضمن الزمن الدنيوي؛ لأن من أهم المؤشرات الإيمانية هو إلغاء الزمن، كمن يلغي الزمن بينه وبين لحظة الموت ليعيش حالة رائعة من التقوى تمنعه عن الانقياد إلى هواه وشيطانه. ولعل أفضل ما يُمكن التعبير به عن أمر إلغاء الزمن كلمة الصبر الذي عدَّه أهل البيت (عليهم السلام) من دعائم الإيمان وأركانه.
ومن ناحية أخرى، نجد أن اللحظة القصيرة التي قد لا نحسب لها حساباً، بل قد نعجز عن تصور حقارتها في الحساب الإلهي الذي عَبَّرت عنه الآية الكريمة بأنَّ ألف سنة هي بمثابة يوم واحد عند الله، إنّ هذه اللحظة قد تختزل في طياتها خلق الله لمساحات عظيمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الكون الفسيح، وفي تلك المساحات أجرام سماوية مترامية الأطراف، أو لعله عز وجل قد أقام قيامة عوالم بأكملها نحن في جهل تام بواقعها وحقائقها.
إن الزمن الذي ما هو إلَّا عبارة عن تلاحق الحوادث؛ إنما هو حالة لدينا، أما في ملكوت الرَّبِّ فإن واقع الخلود لا يتأثر بشيء؛ لأن الله سبحانه فوق كل خلق، ومن ضمن هذا الخلق هو الزمن.