بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - آفاق نصر اللَّه
الثابتة؛ لأن نصر الله نصر للعدالة والقسط والتقوى .. فمن التزم تحقيق هذه المثل السامية كان حريًّا أن يكون منصوراً، مرة ومرة، وهكذا .. بل لا فرق بين مرة وأخرى.
ولكن ثمة قضية في البين لا بد من توضحيها، وهي أن الله سبحانه وتعالى وعد من ينصره بأن ينصره؛ ذلك لأن الله قوي عزيز .. هكذا ذكر اسمي العزة والقوة في الآية (٣٩) من هذه السورة المباركة، بينما قال عز اسمه في هذه الآية المباركة إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ.
فما الفرق ترى بين الاستخدامين؛ بين القوة والعزة هناك، وبين العفو والمغفرة هنا؟.
في معرض الإجابة نشير إلى أن الفرق شاسع بين جولتي الصراع فيما يدور؛ إذ في الأول كان صراعاً مبدئيًّا بين المؤمنين والمشركين، فهو صراع حضاري شامل. بينما الوضع مختلف عند سقوط الطاغوت، حيث الوضع يستدعي بسط الأمن واستقرار حالة من السلم الاجتماعي.
فاسمي القوة والعزة جاءا هناك بهدف ترهيب المشركين، ومن ثم تشجيع المؤمنين. بينما العفو والمغفرة ذُكرا هنا بهدف التمهيد لما نحتاجه عند بناء الدولة وإقامة المجتمع الإسلامي، والله العالم.
ومن هنا يأخذ القرآن بأيدي المؤمنين ليضعوا نصب أعينهم دوماً قاعدة عظيمة تتمثَّل في معرفة أن أبواب الرحمة الإلهية والنصر الإلهي مفتوحة أمامهم دائماً، فلا ينبغي لهم أن يقترفوا ما يغلق هذه الأبواب دونهم، كأن يتجاوزوا حدودهم أوحقوقهم حينما يُمسكون بزمام القدرة، فيبطشون بطش الجبارين، لأنهم إذ ذاك لن يختلفوا- عند الله- عن غيرهم من الظلمة والطغاة.