بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٤ - اللَّه رؤوف رحيم
ومن هنا فإن رسالة القرآن الكريم التي تتضمَّنها الكثير الكثير من آياته المباركة تحمل إثارة هذا الإحساس وتفعيل هذه القوة في بني البشر.
فإذا تفعَّلت هذه القدرة فيه، فإنه سيعيش مع ربِّه الخالق المتعال مع كل حدث .. وسينظر إلى الطبيعة باعتبارها آيات تدلُّه على ربِّه، وليست مجرد ظواهر متناثرة، بل سيتخذ منها عبرة؛ أي ينتقل من شهودها إلى غيبها، ومما يظهر منها إلى ما هو أخفى.
وهكذا قال ربنا سبحانه
١- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي اْلأَرْضِ
وهكذا نجد القرآن الكريم يستنهض فكر الإنسان، ويدعوه إلى النظر بعين البصيرة، ثم يُذكِّره بأن الله سبحانه قد جعل ما في الأرض مُسخَّراً لخدمته.
والآية تتضمَّن الإشارة إلى حقيقة هامة، وهي أن كل ما في الأرض مُسخَّر للإنسان، وأن بمستطاع هذا المخلوق أن يستثمر ما فيها من خيرات وبركات .. ولكنه في الوقت نفسه، لم يقل: إنه سخَّر الأرض للإنسان، نظراً إلى أن وجودها، وطبيعة حركتها، وطبيعة مصيرها لا مدخلية للإنسان فيه، فلا ينبغي له أن يُغيِّر مصيرها، كأن يعمد إلى وسائل التدمير الشاملة ويُعرِّض مصير الأرض إلى الخطر الماحق، إنما قال: ما في الأرض.
ولكن؛ حيث أذن الله تعالى للإنسان أن يستثمر ما في الأرض، فإنّ من الخطأ القاتل أن يحجم عن التفاعل مع الأرض وما فيها والسعي لإعمارها، نظراً إلى أن إعمار الأرض بما يتناسب وإرادة الله سبحانه وتعالى قد يكون نوعاً من العبادة.