بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥ - تجليات البعث
ومن لا يؤمن بالآخرة لا يستطيع أن يتصرف بحكمة في الدنيا؛ لأنهما تتكاملان. وإنما المؤمن بالآخرة يحسن التصرُّف في الدنيا ويكسب بما فيها الآخرة، فهو قد فاز بكلتيهما.
والقرآن الكريم طالما أكد على هذه الفجوة والفارق الكبير جدًّا بين إنسان وإنسان، رغم ما فيهما من تشابه ظاهري كبير .. والكتاب المجيد يضرب لنا المثل بالظل والحرور، وبالأحياء والأموات، وبالظلمة والنور .. وإذ لا يمكن القياس بين هذه النماذج، كذلك لا يمكن قياس أهل الدنيا بأصحاب الجنة في الآخرة.
ولكن كيف يتسنى قطع المسافة الوسيعة بين الإيمان والكفر؟ وهل يمكن تجاوزها بصورة عفوية أصلًا؟.
إن هذه الفجوة لا تُقطع بلا مكابدة وكفاح وكدح، حيث إنها تُمثِّل الجسر الطويل بين الجنة والنار.
فكيف إذاً نقطع هذه المسافة؟ إنما يكون ذلك بسعي متواصل إلى الكمال النفسي عبر محاسبة الذات والمراقبة والتهذيب .. وأيضاً عبر كل الوسائل الممكنة والمتاحة لإحداث التحوُّل في ذواتنا لتصبح نفوسنا كاملة وقادرة على استشراف الحقائق والوصول إلى معايشة الآخرة.
ومن هنا وللتخلُّص من الريب في البعث ينبغي للمرء أن ينظر إلى واقع نفسه الذي يمثل قطعة رائعة من سنن الله في الحياة، بل وآية سامية لأسمائه الحسنى. فنفس البشر هي الأقرب إليه من أي خلق آخر، ولكن كيف يتم لنا ذلك؟.
مع أن الحقائق كلها تشير إلى أن الحياة الآخرة حق، إلَّا أن الوساوس الشيطانية تحجب عن ضعاف النفوس هذا الحق، فإذا بهذا