بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤
طرفين، دلالةً على التحوُّل إلى مرحلة الصراع مع المجتمع الفاسد. علماً بأن النصوص قد قسَّمت فريضة الجهاد إلى: جهاد العدو وجهاد النفس، والثاني أكبر من الأول. فماذا تعنى المفاعلة في جهاد النفس؟
إن نفس الإنسان تنقسم بدورها إلى قسمين: نفس لوَّامة، ونفس أمَّارة بالسوء. والأولى تجاهد الثانية.
ولا يتحقق انتصار في واقع الحياة ما لم يُجاهد المؤمنون نفوسهم سلفاً ويتغلَّبوا عليها؛ لأن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم.
ولعل الأمر بالجهاد الجمعي إشارة إلى أن القرآن يُريد للمجتمع الإيماني، أن يكون كتلة حيوية فعَّالة. فلا يُمكن لمجتمع أن يُجاهد نصفه، ونصفه الآخر يتقاعس.
وحق الجهاد هو أن يبذل المرء قصارى جهده، ولولا أن الله تعالى قال بعد ذلك وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ لكان واجب الجهاد مستمراً إلى انقطاع النفس عن الحياة. ولكن الله تعالى أرحم بالإنسان المؤمن من ذلك، فلم يُكلِّفه إلَّا بما يسعه. وحيث إن الإنسان عاجز عن أداء حق الله تماماً، إلَّا أنه قادر على أن يبذل ما وسعه من جهد في سبيل الله، بما في ذلك جهاد نفسه وحملها على فضائل الأخلاق واستفراغ مكنته في هذا السبيل، سواء في باب العبادة المؤطرة بأحكام خاصة، أو في باب الطاعة، وباب تحصيل الرزق، وبناء العلاقات الاجتماعية الطيبة، وكل ما يُقرِّب إلى الله سبحانه وتعالى.
٢- هُوَ اجْتَباكُمْ
في التفسير: خطاب الاجتباء مُوجَّه إلى جماعة المؤمنين الذين وعوا الفكر السليم والتكاليف الشرعية وعملوا بها ما استطاعوا.