بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - الإذن بقتال الظالمين
الَّذِينَ أَذِنَ اللهُ لَهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِالْقِتَالِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
فِي المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أُحِلَّ لَهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ وَأُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ.
فَقُلْتُ: هَذِهِ نَزَلَتْ فِي المُهَاجِرِينَ بِظُلْمِ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لَهُمْ فِيمَا نَالَهُمْ، أَوْ فِي قِتَالِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ دُونَهُمَا مِنْ مُشْرِكِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ؟.
فَقَالَ (ع): لَوْ كَانَ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى قِتَالِ جُمُوعِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ غَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ أَنَّمَا عَنَتِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ كَانَتِ الْآيَةُ مُرْتَفِعَةَ الْفَرْضِ عَمَّنْ بَعْدَهُمْ، إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالمَظْلُومِينَ أَحَدٌ، وَكَانَ فَرْضُهَا مَرْفُوعاً عَنِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالمَظْلُومِينَ أَحَدٌ. وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ وَلَا كَمَا ذَكَرْتَ، وَلَكِنَّ المُهَاجِرِينَ ظُلِمُوا مِنْ وَجْهَيْنِ: ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَظَلَمَهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرُ وَمَنْ كَانَ دُونَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا كَانَ المُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَبِحُجَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ يُقَاتِلُ مُؤْمِنُو كُلِّ زَمَانٍ، وَإِنَّمَا أَذِنَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَامُوا بِمَا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي شَرَطَهَا اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ قَائِماً بِتِلْكَ الشَّرَائِطِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ مَظْلُومٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْجِهَادِ بِذَلِكَ المَعْنَى[١].
[١] تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج ٦، ص ١٠٣- ١٣٢.