بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٥ - إنّه الحق من اللَّه
إن القرآن المجيد تنزَّل للناس كافة، ومن دون أي استثناء. ومن يزعم أنه قد استُثني من مواعظ الوحي يكون مصيره ما آل إليه بعض علماء اليهود والنصارى الذين ارتكبوا ما شاؤوا من الموبقات، وفي مقدمتها تحريف الكلم عن مواضعه، ثم سعوا إلى النأي بذواتهم عمَّا أكدت عليه النصوص أو حذَّرت منه، حتى أنهم قالوا: إن الله تعالى لن يُحاسبهم كما يُحاسب غيرهم، وأضفوا على أنفسهم صفة المُشرِّع، فقالوا بأن ما يصدر عنهم يعتبر بحدِّ ذاته تشريعاً (إلهيًّا) فهو بالتالي مُحصَّن بحصن السماء، وهم يمتازون بحصانة مميزة، فلا أهل الدنيا يُحاسبونهم، ولا الملائكة في يوم القيامة.
ولقد تنازل منهم مُتنازل مُتواضع، فقال: إنَّنا قد يُعرِّضنا الله تعالى لناره، إلَّا أن ذلك لن يستغرق سوى أيام معدودة.
ولكن هاتين الفكرتين نفاهما القرآن المجيد نفياً قاطعاً في أكثر من آية، وفي أكثر من مناسبة، ومنها قول الله تعالى
١- الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.
فلا مجال لأحد أن يتقوَّل من عند نفسه على الله عز وجل وعلى إرادته .. فإن الله سبحانه هو المالك للدنيا والمالك للآخرة، وله الملكوت ملكاً حقيقيًّا وليس ظاهريًّا فحسب، له الخلق وإليه المصير. وما يرى الناس في الدنيا من هامش من الحرية فإنما هي تابعة لإرادة المولى الجبار ليمتحنهم ويبتليهم. وما الموت الذي تتعرَّض له المخلوقات في الدنيا إلَّا آية من آيات الله؛ الذي يقهرها به، وليعرفوا أن ثمة عالماً جديداً سيلجونه بعد الموت مُضطَّرين مُجبرين فيه على كافة المستويات، حتى أن الأيدي لتتكلَّم وتشهد بالحق دونما إرادة من أصحابها.