بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٦ - لكل أمة منسك
إذا كانت النفس البشرية نزَّاعة للكفر بالنِّعم، فإنَّ مَنْ وَضَعَ فيه هذه النزعة، لا ريب قد وضع له برامج كابحة لها، وقادرة على توجيهها إلى حيث التعافي منها.
إن حاجة الإنسان الجهول الكفور إلى الدين وإلى النظام التربوي والتثقيفي والاجتماعي ثم الاقتصادي والسياسي ليست حاجة كمالية، بل هي من أشد الضرورات، إذ من دونها لن يبلغ السعادة والفلاح.
وإذا كانت سائر الأحياء ماضية نحو غاياتها عبر ما فيها من غرائز، فإنّ الإنسان لا يُحقق غاياته إلَّا بالنظام الذي يلتزم به، ولذلك؛ حينما قال ربُّنا المتعال في الآية السابقة وَ هُوَ الَّذي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ إِنَّ اْلإِنْسانَ لَكَفُورٌ [١] فإنه سبحانه بَيَّنَ هنا برنامجاً مُتكاملًا لإصلاح الإنسان ذاته، وهذا البرنامج قد تمثَّل في قوله
١- لِكُلِ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ.
إذ الله لم يترك الناس سدى، بل بعث إليهم رسلًا، وأنزل معهم كتباً، ووضع لهم فيها برامج واضحة لإصلاح الإنسان.
ومن هنا يتَّضح خطأ الاسترسال مع الحياة من جانب ابن آدم؛ لأن هذا الاسترسال من شأنه القضاء على فرص السعادة لديه، ولا بد من أخذ المنهج الرباني بقوة، واتِّخاذه بمثابة الكوابح لطبائعه لكيلا يتعرَّض للهلاك، خصوصاً وأن المرء مهما التزم بالحق، ومهما قضى ردحاً طويلًا من حياته سائراً في الطريق الصحيح، إلَّا أنه يبقى مُهدَّداً بالهلاك لدى الاسترسال مع عوامل الإغواء واعتماد ثقافة التبرير؛ لأن البلاء محيط بابن آدم إحاطة السوار بالمعصم، ويجري الشيطان فيه
[١] سورة الحج، آية ٦٦.