بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - اللَّه رؤوف رحيم
العقلية التي تُمكِّنه حتى من اكتشاف ما يخرج عن نطاق عمل الحواس، إلَّا أنه في كثير من الأحيان لا ينتفع من هذه الطاقة الجبارة، مما يجعله عاجزاً عن السمو إلى معرفة ما وراء الطبيعة عبر حقائق الشهود.
ولنضرب مثلًا؛ الفرق بين الطبيب وغيره، إن الأول يُلاحظ ظاهرة صحية ما، فيكتشف من ورائها المرض، بينما الثاني قد يُلاحظ الظاهرة ذاتها، لكنه لا يكتشف شيئاً. وهكذا يتميَّز من يُحقق في الجرائم عن غيره في ذلك؛ أي في معرفة ما وراء الظاهر. وهكذا الفرق بين المهندس وغيره، أو بين عالم النفس ومن سواه .. الفرق دائماً يتمثَّل في معرفة ما يغيب عبر التأمُّل فيما يُشاهده الحس.
وهكذا فإن من أكبر الفوارق بين الناس بعضهم عن بعض، أن لدى البعض قدرة اكتشاف الخبايا والخفايا، فيما غيرهم يكتفون بملاحظة الظواهر ويحصرون أنفسهم ضمن حدود عالم الحس.
وهذه الحقيقة تتجلَّى في أفق المعارف العليا، وبالذات معرفة الخالق سبحانه، إذ إن القدرة ذاتها التي يستفيد منها الطبيب الحاذق وأيّ خبير آخر في الانتقال من معرفة الظواهر إلى معرفة ما وراءها، أنها هي ذاتها تُعطي الإنسان القدرة على معرفة الرَّبِّ الذي هو غيب من خلال آياته المشهودة.
ولكن السؤال المهم: لماذا إذاً نجد أكثر الناس، ومع ما أُوتوا من العقل والمقدرة على بلوغ الغيب من خلال الشهود، لماذا لا يعرفون ربَّهم، وهو المحيط بهم، وهو الشاهد عليهم تبارك وتعالى، مع أن في معرفتهم لخالقهم نفعاً لهم، وفي الجهل به وبأوامره ضرراً عليهم؟
يبدو أن الإنسان بحاجة إلى تفعيل هذه القدرة عبر التذكير بها.