بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٤ - ويستعجلونك بالعذاب
تُوبِقُ صَاحِبَهَا. فَامْهَدْ لِنَفْسِكَ فِي مُهْلَةٍ وَنَافِسْ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ [١].
تفصيل القول
١- وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ.
كما أن من سنن الله تعالى أن يأخذ القرى الظالمة ويُهلكها بما تقترف من الظلم، كذلك من سننه عز وجل أن يُمهل الظالمين لفترة مُعيَّنة. فالإمهال- وفقاً لهذه السُّنّة الإلهية- لا يعني نسيان الله إياهم، ولا يدل على عجزه ولا على مغفرته، بل قد يكون إمهالًا له لعلَّه يتوب، أو إملاءً له ليزداد إثماً فيُضاعف عليه العقاب.
وفي فترة الإمهال ترى الإنسان يقترف ذنباً- ولا تمسه العقوبة الإلهية المباشرة- فيتصوَّر خطأً أن ما اقترفه ليس بذنب يُؤاخَذُ عليه، أو يتصوَّر أن الله عز اسمه لن يُعاقبه .. وواضح أن كِلَا التصورين خاطئان؛ لأنه تعالى لا تغيب عنه غائبة، وهو يحفظ ويكتب حتى مثقال الذرة مما يصدر عن الإنسان، وهو الذي يعلم السر وما هو أخفى، وهو الذي سيُحاسب الإنسان على كل صغيرة وكبيرة، ويُطلعه على كل ما اقترف، حتى أنه تعالى يَكِلُ إليه قراءة كتابه بنفسه، فيشهد على نفسه بما فعل، تبعاً لِسُنّة الله في عباده، هذه السُّنّة القاضية بمسؤوليتهم عن أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم بالدرجة الأولى والمباشرة.
ولكن طغيان الإنسان وجهله من جهة، وإمهال الله تعالى له من جهة ثانية، يدفعانه إلى مزيد من الغفلة، هذه الغفلة التي تجعله يتساءل عن عذاب الله، بل قد يتحدى ربَّه سبحانه عبر التهكم عليه واستعجال
[١] الكافي، الشيخ الكليني، ج ٨، ص ١٣٤.