أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٩٢
كلامه السابق حيث جعل من جملة عبادة المشركين الأصنام اعتقادهم انها تشفع عنده و جعل من جملة عبادة الأنبياء و الصالحين اعتقاد ذلك و التشفع بهم (و قوله) فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا و نزه نفسه عنه لأنه لا يشفع عنده أحد الا باذنه فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة و لا هم أهل لها و من اعتقد في حي أو ميت انه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به فقد أشرك مع الله غيره و اعتقد ما لا يحل كما اعتقد المشركون في الأوثان و صار حلال المال و الدم و جعل من جملة الشرك الاعتقاد في شيء انه يشفع في حوائج الدنيا بمجرد التشفع (و الوهابيون) في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي بقولهم فأخبر ان من جعل بينه و بين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم و أشرك بهم إلى قولهم فالشفاعة حق و لا تطلب في دار الدنيا الا من الله و جعلهم سؤال الأنبياء و الأولياء الشفاعة بعد موتهم شركا و عبادة للأوثان. و في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية «١».
و نثبت الشفاعة لنبينا محمد (ص) يوم القيامة و لسائر الأنبياء و الملائكة و الأولياء و الأطفال حسبما ورد و نسألها من المالك فيها و الإذن فيها بان نقول اللهم شفع نبينا محمدا (ص) فينا يوم القيامة أو اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم فلا يقال يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها مما لا يقدر عليه الا الله تعالى فإذا طلبت ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة و لا أثر من السلف الصالح بل ورد الكتاب و السنة و إجماع السلف ان ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله (ص) و في الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية ان الشفاعة و ان كانت حقا في الآخرة فلها أنواع مذكورة في محلها و وجب على كل مسلم الايمان بشفاعته (ص) بل و غيره من الشفعاء فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص ما عدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة و ليس منها ما يقصدون فالوصف من مات لا يشرك بالله شيئا كما في البخاري من حديث أبي هريرة (رض) لكل نبي دعوة مستجابة و اني خبات دعوتي شفاعة لامتي و هي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا بشرك بالله شيئا (إلى ان قال) و إذا كانت بالوصف فرجاؤها من الله و دعاؤه ان يشفع فيه نبيه هو المطلوب (قال) فالمتعين على كل مسلم صرف همته إلى ربه بالإقبال اليه و الاتكال عليه و القيام بحق العبودية له فإذا مات موحدا استشفع الله فيه نبيه بخلاف من أهمل ذلك و تركه و ارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه و رجائه فيما لا يمكن وجوده الا من عند الله و الالتجاء إلى ذلك الغير مقبلا على شفاعته متوكلا عليها طالبا لها من النبي (ص) أو غيره فان هذا بعينه فعل المشركين و اعتقادهم و لا نشات فتنة في الوجود الا بهذا الاعتقاد (إلى ان قال) و لهذا حسم جل و علا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الا له وحده فلا يشفع عنده أحد إلا باذنه لا ملك و لا نبي و لا غيرهما (إلى أن قال) و لهذا قال عز من قائل: (قل لله الشفاعة جميعا. و ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم و ضل عنكم ما كنتم تزعمون) و طلبها من غير الله في هها الدار زعم بعدم تعلقها بالاذن من الله و الرضا عن المشفوع له و قال تعالى: (ما لكم من دونه من ولي و لا شفيع و أنذر به الذين يخافون ان يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي و لا شفيع) و العبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب انتهى.
و قال محمد بن عبد الوهاب أيضا في رسالة اربع القواعد: «٢» الشفاعة شفاعتان منفية و مثبتة فالمنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه الا الله لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي يوم لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة و الكافرون هم الظالمون) و المثبتة هي التي تطلب من الله و الشافع مكرم بالشفاعة و المشفوع له من رضي الله قوله و عمله بعد الاذن كما قال: (من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه) انتهى و فصل في مقام آخر ما أجمله هنا فقال في رسالة كشف الشبهات «٣» عند تعليمه اتباعه الاحتجاج على غيرهم في تتمة كلامه السابق، فان قال: (أي بعض المشركين من المسلمين الذين لا يقولون بمقالة الوهابية) أ تنكر شفاعة رسول الله (ص) و تبرأ منها فقل لا بل هو الشافع و المشفع و أرجو شفاعته لكن الشفاعة كلها لله (قل لله الشفاعة جميعا) و لا يشفع لأحد الا من بعد ان يأذن الله فيه (و لا يشفعون الا لمن ارتضى) و هو لا يرضى الا التوحيد فإذا كانت الشفاعة كلها لله و لا تكون الا بعد إذنه و لا يشفع النبي (ص) و لا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه و لا يأذن الا لأهل التوحيد «٤» فالشفاعة كلها لله فاطلبها منه و أقول اللهم لا تحرمني شفاعته اللهم شفعه في و أمثال هذا فان قال النبي (ص) اعطي الشفاعة و انا اطلبه مما أعطاه الله (كذا) فالجواب ان الله أعطاه الشفاعة و نهاك عن هذا و قال: (فلا تدعوا مع الله أحدا) و أيضا الشفاعة أعطيها غير النبي (ص) فصح ان الملائكة و الأولياء يشفعون فان قلت الله أعطاهم الشفاعة و اطلبها منهم رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه و ان قلت لا بطل قولك هذا.
و قال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور و الاستنجاد بالمقبور «٥» في تتمة كلامه المتقدم في الباب الثاني: و ان قال أنا اساله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور لأني أتوسل إلى الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه و أعوانه فهذا من أفعال الذين يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم و رهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم و المشركين الذين أخبر الله عنهم انهم قالوا: ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى و قال تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أ و لو كانوا لا يملكون شيئا و لا يعقلون. قل لله الشفاعة جميعا. ما لكم من دونه من ولي و لا شفيع. من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه) فبين الفرق بينه و بين خلقه فان من عادة الناس ان يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته اما رغبة و اما رهبة و اما حياء و اما مودة و اما غير ذلك و الله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل الا ما شاء الله و شفاعة الشافع من إذنه فالأمر كله له (إلى ان قال) و قد أمرنا ان نصلي على النبي (ص) في الدعاء و جعل ذلك من أسباب اجابة دعائنا انتهى.
" و نقول" الشفاعة من الشفيع عبارة عن طلبه من المشفوع اليه امرا