أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٩
رقابة عسيرة تولاها بنفسه منعتهم من أن يسترسلوا في التهويل و التهويش.
و كان إذا سمع من أحدهم و هو على المنبر كلمة لا ترضيه لا يتوانى عن أن ينبهه في الحال، و أن يقطع عليه خطابه ليصححها في أذهان الجمهور المستمع ثم يأمر الخطيب بمعاودة الكلام ... و حسبك أنه اختار فيهم من يحسن لغة أجنبية ليكون أكثر وعيا و أبعد إدراكا ..." «١»
إنه، بهذا العمل المزدوج، في إصلاح النص و الخطيب معا، قد قام بعمل تعليمي متكامل كان من نتيجته تهيئة جيل من" القارئين" الجدد، لمجالس التعزية الحسينية، أما سائر أمور الإصلاح العاشورائي، التي ذكرها في رسالة التنزيه فقد خاض في سبيلها" معارك" حقيقية، مع قطاع واسع من رجال الدين و السياسة و مع العامة من الشعب. و إننا نجد في رسالة التنزيه، نقاشا فقهيا لخصومه من رجال الدين، كما نجد عرضا وافيا لتفاصيل" معركته" في كتاب" السيد محسن الأمين. سيرته بقلمه و أقلام آخرين" و في مقال الأستاذ إبراهيم فران الذي كتبه بعنوان" رأيان مختلفان في كيفية إقامة عاشوراء" و نشر مع سلسلة أحاديث أخرى في كتاب" حلقة دراسية حول عاشوراء". «٢»
جاءت" رسالة التنزيه في أعمال الشبيه" بمثابة رد على" مجهول" و التسمية في الأصل، تشير إلى المعنى التمثيلي الواقعة عاشوراء الذي ينكره السيد الأمين.
فكلمة" الشبيه" تعني" شبيه الحسين" الذي تنتهي التمثيلية بمقتله. أما" المجهول"، حسب ما ورد في الرسالة، فهو في واقع الحال و الأمر، معلوم و معروف. إنه صاحب رسالة (سيماء الصلحاء) الذي يبدو أن السيد الأمين عامله" بالمثل" في مجال إنكار الاسم، و الرمز إلى هويته، بالتكنية. و هذا التجاهل المتبادل بين الرجلين، يمكن أن يعود، إلى رغبة نفسية لدى كل منهما في إلغاء خصمه .. فيلجأ إلى طمس اسمه و شخصيته.
و لا يكتفي السيد الأمين بطمس اسم خصمه، و هويته، بل إنه يطمس كذلك الأثر الذي يرد عليه، و ذلك بتسميته" أوراقا مطبوعة". «٣» ثم يهزأ من تسمية صاحبها بالمصلح الكبير، قائلا:" أ فهذا هو الإصلاح". «٤»
أما فذلكة الأحداث السابقة لكتابة هذه الرسالة، فقد أوردها بالتفصيل، إبراهيم فران في مقاله المشار إليه آنفا «٥» و فحواها أنه" قبل صدور رسالة التنزيه بسنة، أي سنة ١٢٤٦ ه ١٩٢٨ م، زار السيد محسن الأمين مراسل جريدة بيروتية تدعى" العهد الجديد" فسأله رأيه في اللطم على الصدور و الضرب على الرءوس، فأجابه بالتحريم، مما اثار شيخا، فاصدر، ردا على هذا التصريح، رسالة دعاها سيماء الصلحاء" طبعت في مطبعة العرفان صيدا سنة ١٣٤٥ هجرية ١٩٢٧ م تقع في ٨٢ صفحة من القطع الوسط. و هي حسب ما يقوله الشيخ في مطلعها" الفائدة الثانية و السبعون من كتابنا جامع الفوائد المندرجة منه تحت عنوان" سيماء الصلحاء" إقامة عزاء سيد الشهداء ع. مست الحاجة إلى فصلها و طبعت على حدة (و هي) أن ناشئة عصرية ولدها الدهر بعد حبال أو قاءها بعد جشا، تنتحل دين الإسلام، و ما هي منه بفتيل أو نقير، و لا بعير أو نفير و إن تقشفت بلبسته و أدهنت بصفته ..".
ثم يستطرد الشيخ و يسترسل في كلام قاس يلمح به إلى السيد الأمين دون أن يسميه، و يهاجم الوهابية دون أن يسميها كذلك، مشيرا إلى أنها هددت المشاهد المقدسة بالبقيع في المدينة، على غرار الذين تالبوا اليوم لابطال إقامة العزاء للنبي و آله و عترته، قارنا هؤلاء بأولئك، بقوله:" و لا ريب أن هذه العصا من تلك العصية".
تبرز، في رد السيد الأمين سمات مهمة تشكل بعض ملامح أسلوبه الجدلي. فهو يسوق كلام" صاحب الأوراق المطبوعة"- بحرفيتها و ذكر رقم صفحاتها، ثم يرد عليها، محللا و مفندا و معلقا.
و لا يخرج الرجلان، في نقاشهما الحاد، عن محور فقهي أساسي، يعتبر" المسألة الكربلائية المختلف عليها"" مسألة دينية" لا تخرج عن أحكام الحلال- و الحرام.
لذلك فان كلا الرجلين يدعم رأيه بحجة" النص و العقل" أو" النقل و العقل" معا. و إن الأنموذج التالي «٦» يبرز أسلوب كل من الرجلين في إدارة الجدل و استعمال الحجة. ففي باب الدفاع عن البكاء على الحسين، يورد صاحب (سيماء الصلحاء)، النص التالي:" أ يقرح الرضا جفون عينيه من البكاء، و العين أعظم جارحة نفيسة، و لا نتاسى به فنقرح على الأقل صدورنا و نجرح بعض رؤوسنا. أ تبكي السماء و الأرض تلك بالحمرة و اتي بالدم العبيط و لا يبكي الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضائه و جوارحه ..".
و يرد السيد الأمين على الحجج السابقة بقوله:" و أما استشهاده بتقريح الرضا ع جفون عينيه من البكاء، فان صح فلا بد أن يكون حصل ذلك قهرا و اضطرارا لا قصدا و اختيارا .. و إلا لحرم. و من يعلم أو يظن أن البكاء يقرح عينيه فلا يجوز له البكاء إن قدر على تركه لوجوب دفع الضرر بالإجماع و حكم العقل". «٧»
لذلك، يكثر في كلام الرجلين، استعمال المصطلحات الفقهية ك:
مندوب و محرم و واجب و مضر و رفع الضرر و الواجب عقلا .. و نقلا .. و فريضة و نافلة و مستحب، و مكروه و ما أشبه ذلك.
و لا يفوت السيد الأمين أن يورد، في معرض نقاشه الفقهي، جملا مختصرة تنم عن رأيه بمصداقية خصمه الأدبية و العلمية في آن. لا سيما في رده على مبالغات الشيخ صاحب (سيماء الصلحاء) في استعمال الأسجاع، و تقليب المعنى الواحد بادوار منوعة في القول، فياتي تعليق السيد بمثابة الضرب على الوتر الحساس.
من باب التهويل بالأسجاع قول الشيخ مثلا ..: «٨»" من فجائع الدهور و فظائع الأمور و قاصمات الظهور و موغرات الصدور ما نقلته بعض