أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٢٨
نحو ذلك مع ان التسوية بالأرض ليست من السنة بالاتفاق للاتفاق على استحباب رفع القبر عن الأرض في الجملة و على كل حال فلا دلالة فيه على عدم جواز البناء على القبور و لا ربط له بذلك فيجعل علو القبر نحو شبر و يجعل عليه حجرة أو قبة (و الحاصل) انه سواء جعلنا معنى قوله و لا قبرا مشرفا الا سويته و لا قبرا مسنما الا سطحته و أزلت سنامه كما هو الظاهر. أو و لا قبرا عاليا الا وطيته لا ربط لذلك بالبناء على القبور (و ما ذكرناه) في معنى الحديث هو الذي فهمه منه العلماء و أئمة الحديث (روى) مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز «١» بسنده عن ثمامة قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم رودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله (ص) يأمر بتسويتها ثم روى حديث أبي الهياج و من الواضح ان قوله فأمر فضالة بقبره فسوى أي سطح و لم يجعله مسنما و كذا قوله سمعت رسول الله (ص) يأمر بتسويتها أي تسطيحها و ليس المراد انه امر به فهدم لأنه لم يكن مبنيا و لا المراد انه امر به فسوي مع الأرض لأن ذلك خلاف السنة للاتفاق على استحباب تعليتها عن الأرض في الجملة كما عرفت فتعين ان يراد به التسطيح فكذا خبر أبي الهياج الذي عقبه به مسلم و ساقه مع هذا الحديث في مساق واحد و ذلك دليل على انه حمل قوله و لا قبرا مشرفا الا سويته على معنى و لا قبرا مسنما الا سطحته (و قال النووي) في الشرح قوله يأمر بتسويتها و في الرواية الأخرى و لا قبرا مشرفا الا سويته فيه ان السنة القبر لا يرفع عن الأرض رفعا كثيرا و لا يسنم بل يرفع نحو شبر و يسطح و هذا مذهب الشافعي و من وافقه انتهى فحمل التسوية على التسطيح و عدم رفع القبر كثيرا كما ترى (و من العجيب) ان بعض الوهابيين في رسالته المسماة بالفواكه العذاب احدى رسائل الهدية السنية الحاوية لمناظرة مؤلفها النجدي مع علماء الحرم الشريف بزعمه في عهد الشريف غالب سنة ١٢١١ استدل على عدم جواز البناء على القبور بحديثي فضالة و أبي الهياج المذكورين مع انهما كما عرفت واردان في التسطيح و لا مساس لهما بعدم جواز البناء حتى لو سلمنا ان حديث أبي الهياج يدل على عدم الرفع كما فهمه النووي في كلامه السابق فلا دلالة له على عدم جواز البناء على القبور فلو جعل علو القبر نحو شبر و بني عليه حجرة لم يكن ذلك منافيا للحديث المذكور كما عرفت و لكن هؤلاء يسردون الأحاديث و يجعلونها دالة على مرادهم بالسيف و من أبى كفر و أشرك (معزا و لو طارت) (و قال القسطلاني) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري: «٢» روى أبو داود بإسناد صحيح ان القاسم بن محمد بن أبي بكر قال دخلت على عائشة فقلت لها اكشفي لي عن قبر النبي (ص) و صاحبيه فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة و لا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء أي لا مرتفعة و لا لاصقة بالأرض كما بينه في آخر الحديث انتهى (ثم قال القسطلاني) و لا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها و لا يخالف ذلك قول علي رضي الله عنه أمرني رسول الله (ص) ان لا أدع قبرا مشرفا الا سويته لأنه لم يرد تسويته بالأرض و انما أراد تسطيحه جمعا بين الأخبار نقله في المجموع عن الأصحاب (انتهى) (و قال) الترمذي: (باب ما جاء في تسوية القبور) و لم يقل في هدم القبور ثم أورد حديث أبي الهياج و ظاهر انه لم يحمل التسوية فيه الا على التسطيح لأن ذلك هو معناها لغة و عرفا و لا ربط له بعدم جواز البناء عليها مع ان الوهابيين في الرسالة الآنفة الذكر أوردوا هذا الذي ذكره «٣» الترمذي دليلا على عدم جواز البناء.
(الثالث) من أدلتهم ما أشار اليه ابن بليهد في سؤاله الموجه لعلماء المدينة من قوله و إذا كان البناء في مسبلة كالبقيع إلخ (و فيه) ان تسبيلها أي وقفها في سبيل الله مقبرة للمسلمين دعوى بلا دليل إذ لم ينقل ناقل ان أحدا وقفها لذلك فهي باقية على الاباحة الأصلية و لو فرض وقفها مقبرة فليس على وجه التقييد بعدم جواز الانتفاع بها الا بقدر الدفن و عدم جواز البناء زيادة على ذلك حتى على قبر عظيم عند الله يصون البناء قبره عما لا يليق و ينتفع به الزائرون لقبره و يتظلون به من الحر و القر عند زيارته و قراءة القرآن و الصلاة و الدعاء لله تعالى عند قبره الثابت رجحانه كما ستعرف ذلك كلا في محله و لا أقل من الشك في كيفية الوقف لو فرض محالا حصوله فيحمل بناء المسلمين فيه على الصحيح لوجوب حمل أفعالهم و أقوالهم على الصحة مهما أمكن و كذا لو فرض محالا اننا علمنا انها كانت مملوكة فلا مناص لنا عن حمل البناء فيها على الوجه الصحيح الذي هو ممكن لا يعارضه شيء و حينئذ فيكون هدمها ظلما محرما و تصرفا في مال الغير بغير رضاه و قد وقفها البانون و جعلوها مسبلة لانتفاع المسلمين الزائرين و استظلالهم بها و عمل البر فيها من الدعاء و الصلاة و غيرها فهدمها ظلم للبانين و المسلمين و منع لهم عن حقهم فما أوردوه دليل لهم هو دليل عليهم على ان كتب التواريخ و الآثار دالة على ان ارض البقيع كانت مباحة أو مملوكة لا مسبلة (ففي وفاء الوفا) للسمهودي «٤» روى ابن زبالة عن قدامة بن موسى ان أول من دفن رسول الله (ص) بالبقيع عثمان بن مظعون (قال) و روى أبو غسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه لما توفي إبراهيم ابن رسول الله (ص) امر ان يدفن عند عثمان بن مظعون فرغب الناس في البقيع و قطعوا الشجر فاختارت كل قبيلة ناحية فمن هنالك عرفت كل قبيلة مقابرها (قال) و روى ابن أبي شيبة عن قدامة بن موسى كان البقيع غرقدا «٥» فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع و قطع الغرقد عنه انتهى فهذا نص على ان البقيع كان مواتا مملوءا بشجر الغرقد فاتخذه المسلمون مدافن لموتاهم و رغبوا فيه حين دفن النبي (ص) ولده إبراهيم فيه فاما ان تكون كل قبيلة ملكت قسما منه بالحيازة أو بقي على أصل الاباحة فأين التسبيل و الوقف (و فيه) أيضا «٦» قال ابن شبة فيما نقله عن أبي غسان قال عبد العزيز دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل (انتهى) فدل على ان قبر العباس و قبور أئمة أهل البيت كانت في دار عقيل فأين التسبيل و الوقف و أي شيء سوغ التخريب و الهدم و ما قيمة هذه الفتوى المزيفة المبنية على هذا السؤال (و فيه) أيضا «٧» روى ابن زبالة عن سعيد بن