أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٧٠
و لو طارت) «١» فإذا كانت هذه تصريحات قطعية و نصوص لا تقبل التأويل من سلطان نجد و علماء بلاده و حكامها بإسلام جميع الشعوب الإسلامية و إخوتها للوهابية و إذا كان في رسائل علماء بلاده التي طبعت بامر جلالة ملك الحجاز و سلطان نجد كما كتب على ظهرها و غيرها من رسائل ابن عبد الوهاب التي طبعها صاحب المنار و في كلام صاحب المنار نفسه تصريحات قطعية و نصوص لا تقبل التأويل كما بيناه فيما سبق بتكفير جميع المسلمين و إشراكهم عدى الوهابيين و مناداة بتكذيب هذه الدعوى و بان مدعيها كمن يقول بان مكة ليست بموجودة و الوهابيون لم يوجدوا في الدنيا. كان كلام الوهابية و منهم صاحب المنار متناقضا تناقضا صريحا قطعيا لا يقبل التأويل و من لا يبالي بالتناقض الصريح في كلامه لا يتكلم معه فعند حاجتهم إلى المسلمين في ميدان السياسة و جلب القلوب يسمونهم إخوانهم و [يعتترفون] يعترفون بإسلامهم و عند بيان معتقدهم و أساس مذهبهم و نشر دعوتهم يكفرون المسلمين و يشركونهم بدون تحاش فهم في ذلك كالنعامة قيل لها أحملي قالت أنا طائر قيل لها طيري قالت أنا جمل. و كان صاحب المنار يرى من موجبات الأخوة و أهم أسباب التعارف بين الوهابيين و الشعوب الإسلامية و التواد معها غزوها و شن الغارات عليها و قتلها كلما سنحت الفرصة لتتوثق عرى الأخوة و يتم التعارف و تكمل المودة. (و يقول) صاحب المنار في المجموعة المذكورة أيضا «٢» لما فشت البدع صارت مالوفة و عز على المشتغلين بالعلم ان يطبقوا على أصحابها أحكام الشرع في أحكام الردة و الخروج من الإسلام لهذا اضطرب الناس في الإصلاح و التجديد للدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب و أولاده و تلاميذهم بتأييد أمراء نجد فرأى أمراء الحجاز المفسدون مجالا لاتهامهم بتكفير المسلمين و استباحة دمائهم و وافقتهم الدولة العثمانية يومئذ لئلا يفضي ذلك إلى تأسيس دولة عربية مع انها كانت تعد فرق الباطنية مسلمين إذ كانت أبعد الحكومات عن التكفير الا للسياسة كقتالها للايرانيين يدل عليه ان الشعب التركي يثني على الوهابيين اليوم و تتمنى جرائده لهم الاستيلاء على الحجاز لخروجه عن ملكهم و تغلب عدوهم عليه انتهى (فجعل) تكفيرهم للمسلمين و استباحة دمائهم تهمة باطلة موجهة إليهم رغما عن تصريحاتهم الكثيرة التي لا تقبل التأويل و إنكارا للمحسوس و مناقضة لصدر كلامه الذي شكا فيه من العلماء عدم تطبيق أحكام الردة و الخروج من الإسلام على غير الوهابية من المسلمين (اما) دعواه ان الدولة العثمانية كانت تجعل فرق الباطنية مسلمين فلم نجد لها شاهدا (و أما) جعله قتالها للايرانيين سياسيا لا دينيا فيكذبه انها وجهت حروبها إلى الدولة الإيرانية التي لا خشية منها على مملكتها و أعرضت عمن هو أقوى منها من الدول الغربية و لم يكن ذلك الا بباعث ديني و تعصب مذهبي و لأجله قتل السلطان سليم سبعين ألفا من الشيعة في الأناضول و شواهد ذلك كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى استقصائها (اما استشهاده) على ان حرب العثمانيين للوهابيين كان سياسيا لا دينيا بان الشعب التركي و جرائده تثني على الوهابيين اليوم و تتمنى لهم الفوز فاستشهاد غريب فان الشعب التركي الذي سمع الأستاذ ثناءه في الجرائد انما هي الحكومة الكمالية التي يرميها في مقالاته الكثيرة في المنار و غيره بالإلحاد فلا يدل ثناؤها اليوم على الوهابية الذين قهروا عدوها و هي لا دينية عنده لا تفرق بين وهابي و غيره على أن حربها بالأمس و هي دينية متعصبة في دينها كان سياسيا محضا.
و قال صاحب المنار في مجموعة مقالاته (الوهابيون و الحجاز) في مقام انكار ان الوهابيين يكفرون جميع المسلمين «٣» ان الآخذين بالبدع يعدون كل منكر لها وهابيا و يضيفون إلى ذلك ما حفظوه من البهتان الذي جدده الملك حسين في جريدته القبلة من رميهم بتكفير من عداهم من المسلمين انتهى. مساكين الوهابية ينسب إليهم زورا و بهتانا انهم يكفرون من عداهم من المسلمين و الحال ان كل أقوالهم وصف للمسلمين بخالص الإسلام و محض الايمان مثل قولهم انهم كمشركي قريش و عبدة الأوثان و عبدة المسيح و انهم أشركوا بشرك العبادة و ان المسلمين اليوم أغلظ شركا من الأولين لأن أولئك يشركون في الرخاء و يخلصون في الشدة و هؤلاء شركهم دائم في الحالتين و انهم مرتدون عن الإسلام و قول بعضهم ان كفرهم اصلي لا ارتدادي إلى غير ذلك مما مر فهذا كله تصريح منهم بإثبات الإسلام الخالص و الايمان المحض للمسلمين و مع ذلك يتهمون بهتانا بأنهم يكفرون المسلمين و لو لا ان أتاح الله لهم صاحب المنار يرفع هذه التهمة عنهم لالتصقت بهم فجزاه الله عن الوهابية ما يستحق. يحكى ان رجلا كانت له معشوقة فلما واصلها قالت له و هو يواقعها ان الناس يتهمونني بك فقال لها كذبوا يا بنية.
و قال في مجموعة مقالاته المذكورة أيضا ان رميه «٤» (اي الملك حسين) الوهابية بالمروق من الدين و استحلال دماء المسلمين قد اتبع فيه سلفه الصالح عند ظهور أمرهم في فجر القرن الثالث عشر للهجرة ثم استشهد على بطلان ذلك بكلام محمود فهمي باشا المهندس المصري في تاريخه البحر الزاخر حيث وصف عقائد الوهابية بأنها عقائد اصلاحية للديانة الإسلامية.
فتأمل ما مني به الوهابية من التهم الباطلة من انهم يستحلون دماء المسلمين و الحال انهم لا يستحلون دماء المسلمين وحدها بل دماءهم و أموالهم و بعضهم يستحل استرقاقهم و يجعلونهم كمشركي قريش و حاشى لله ان يستحل الوهابية دماء المسلمين في نظر صاحب المنار و ليس قتالهم للمسلمين و غزوهم بلادهم و قتلهم الألوف منهم في العراق و الحجاز و اليمن و شرق الأردن و تسميته جهادا في سبيل الله الا احتراما لدماء المسلمين و محافظة عليها (و كفى) في ذلك تصريح محمود فهمي باشا المهندس المصري بان عقائدهم عقائد اصلاحية للديانة الإسلامية.
و هذا حديث اجمالي عن اعتقادات الوهابية و تفصيل ذلك ورده في الباب الثاني و الباب الثالث.
و حيث ذكرنا معتقدات الوهابية اجمالا فيناسب ان نذكر هنا بعض ما يدل اجمالا على فساد شبهتهم في حكمهم بشرك جميع المسلمين و هو ما رواه البخاري في باب الصلاة على الشهيد و علامات النبوة و المغازي و ذكر الحوض و مسلم في فضائل النبي (ص) و أبو داود في الجنائز و كذا النسائي «٥» عن النبي (ص) اني و الله ما أخاف عليكم ان تشركوا بعدي و لكن أخاف الدنيا ان تنافسوا فيها و في رواية لمسلم «٦»
ان تتنافسوا فيها و تقتتلوا فتهلكوا كما هلك من قبلكم و لو كان الأمر كما زعم الوهابية من ان الناس أشركت كلها