أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٦
و الواقع أن للظاهرة الكربلائية، كظاهرة دينية تاريخية، صيرورة و أدوارا مرت فيها كما كان لها" مسارب للدخول إلى الوجدان الشعبي". «١»
و قد ذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في كتابه القيم" ثورة الحسين ع في الواقع التاريخي و الوجدان الشعبي" ثلاثة مسارب دخلت منها الثورة إلى هذا الوجدان: الأول مسرب عقيدي، معتبرا بذلك أن:
" جوهر الصراع يرجع إلى العقيدة ذاتها و إلى الأمانة في تطبيق الشريعة الإسلامية بإخلاص في الحياة اليومية". «٢»
- أما الجانب الثاني فدعوة أهل البيت و تشجيعهم على ذلك.
- و الجانب الثالث نابع من الولاء و طبيعة المأساة.
كما لاحظ الأدوار التاريخية و الأدوار التعبيرية للمأتم الحسيني، معتبرا أن أدواره التاريخية ثلاثة:
الدور الأول: من مرحلة ما بعد الثورة إلى سقوط بغداد أو قبله بقليل.
الدور الثاني: من سقوط بغداد و طيلة العصور المظلمة إلى العصر الحديث.
الدور الثالث: من بدايات العصر الحديث إلى الآن ... و أن أدواره التعبيرية (من خلال الشعر الكربلائي) بدأت بعرض المأساة و استذكارها ثم بنقد السلطة و التحريض عليها، ثم بالوعظ و الانسحاب (في عصور الانحطاط و العصر العثماني) .. و ينهي هذه الأدوار التعبيرية بالدور الحضاري- الثوري في العصر الحديث. و يأخذ بيت الشعر المأثور التالي:
" أ ترجوا الخير من دنيا أهانت حسين السبط و استبقت يزيدا"
كشاهد على" الوعظ السلبي الخاطئ الذي يدعو إلى الانصراف عن العمل الحياتي و يرفض العالم".
لكن ما لا يتطرق إليه الشيخ شمس الدين، في كتابه، هو رصد المأتم الحسيني في تحوله إلى ظاهرة مشهدية تمثيلية شعبية، مع ما يرافقها من طقوس تنكيلية، على الصعيد النفسي و على الصعيد الجسدي، في عمليات ضرب الرءوس و الجباه بالسيوف و ضرب الأجساد بالسلاسل حتى تدمى .. هذه المظاهر التي تصدى لها السيد محسن الأمين في رسالته" التنزيه" و تناولها بالبحث و التفنيد.
بالإمكان تسمية هذا الشكل من تحول المأتم الحسيني،" بالفلكلور العاشورائي"، و نعني بذلك، تحول الذكرى الحسينية أو" المأتم الحسيني" في جانب من جوانبه، إلى مجموعة طقوس و حركات و أناشيد و تمثيليات و مسيرات شعبية تتسم بطابعين: طابع احتفالي شعبي واسع، و طابع تنكيلي دموي عنيف.
فمن طرافته، على سبيل المثال، أن من يمثل دور الحسين ع مثلا، في التمثيلية التي تقام في" النبطية"- و هي المركز الرئيسي لمشهدية كربلاء- في العشر المحرم من كل عام .. يشاع عنه، شعبيا، أنه سكير مزمن. و إن ذلك يذكرنا بما رواه السيد محسن الأمين، في رسالة" التنزيه" في معرض رده على مؤلف رسالة" سيماء الصلحاء" أنه" سنة ١٣٤٠ ه، جرى تمثيل الواقعة في البصرة، فجيء بامرأة من مومسات البصرة، و وضعت في الهودج حاسرة، و شبهت بزينب بنت أمير المؤمنين ع على مرأى من ألوف المتفرجين" كما تبدو الاثارة في تلك الإضافات التي ابتكرتها المخيلة الشعبية، و أضافتها على العناصر الاحتفالية بالماتم الكربلائي، حتى غدا" كرنفالا" للحزن، إذا صح التعبير.
و بإمكان كل مشاهد عيان، أن يلاحظ ذلك في أيام عاشوراء المقامة في النبطية، من كل عام. و نقتطف هنا، على سبيل المثال، هذا المقطع الوصفي المعبر، من وصف شاهد عيان لاحتفالات عام ١٩٨٠ م- ١٤٠٠ ه، كتبه تحت عنوان:" مشاهداتي خلال السنة المنصرمة ١٩٨٠ م- ١٤٠٠ ه" «٣» حيث يقول:
" ... انطلاقا من عصر اليوم الخامس، أخذت احتفالات اللطم شكلا جديدا. مجموعة من المشاركين في الموكب حملت شكل جنازة، يتقدمها، عدا اللافتات السوداء حصان أبيض مغطى بقماش مصبوغ بالدم تعلوه عمامة خضراء. و في اليومين السادس و السابع شاهدنا مظهرا واحدا. موكب جنائزي يتقدمه حصانان مجللان بثياب حمراء يسبقه جمهور واسع من المشاركين. بعضهم يلطم، و البعض الآخر يكتفي بمواكبة المسيرة. أما عصر اليوم الثامن فبدا لنا الحشد كبيرا. و اشتمل على موكب جنائزي يتقدمه حصانان و تابوت خشبي مغطى بقماش أسود، و تحمله مجموعة من الأفراد ... إنه يمثل جنازة القاسم بن [الحسي] الحسن بن علي. في اليوم التاسع، و منذ منتصف النهار، خرجت النبطية عن بكرة أبيها للمشاركة و المشاهدة، موكبا من ألوف الرجال و النساء و الأطفال، عشرات الفتيات عصبن رؤوسهن، بالقماش الأسود، و لبسن أثواب الحداد، و حملن في أيديهن المناديل. خمسة أحصنة تعلوها العمائم الخضراء، مجموعة من المشاركين يحملون السيوف و يلوحون بها، على رؤوسهم استعدادا لاحتفالات اليوم العاشر. هذا الموكب الضخم تجمع و انطلق من ساحة البيدر قاصدا النبطية الفوقا و هي قرية لا تبعد أكثر من ميلين من نقطة الانطلاق. و هناك، على مشارفها، التقى الموكب بعدد كبير من المستقبلين، ثم ساروا جميعهم حتى داخل حسينية البلدة، و في قلبها غرقوا في لطم و ندب عنيفين، ثم عاد الوافدون بعد مضي ساعتين من حيث أتوا. في المساء، عاد موكب الأيام السابقة من جديد. الحشد البشري و الحصانان و حاملو الرايات و فرق اللطم و الندب ... و في اليوم العاشر، آخر أيام عاشوراء، و منذ السادسة صباحا، غصت حسينية النبطية بالوافدين .. شرفات المنازل و سطوحها، أعمدة الكهرباء و الهاتف و التلغراف، كلها تغرق في خضم بشري هائل .. و مع الإعلان عن استشهاد شبيه الحسين، كان عدد هائل من الرجال و الأطفال قد شقوا رؤوسهم بالموسى و السيوف و انطلقوا من باحة النادي الحسيني، في مواكب منتظمة، و هم يلطمون رؤوسهم و الدم يجري بغزارة، و سيارات الاسعاف المرافقة تنقل من يغشى عليه إلى الحسينية فيعالج على الفور" ..