أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٧٧
أصبحت غاديا إلى المسجد فإذا رسول الله (ص) بين الباب و الحجر يخطب الناس يقول ألا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء إلا و ان الله تبارك و تعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا.
ابن ماجة القزويني في سننه بسنده عن الربيع بن سبرة عن أبيه: خرجنا مع رسول الله (ص) في حجة الوداع فقالوا يا رسول الله ان العزوبة قد اشتدت علينا قال فاستمتعوا من هذه النساء فاتيناهن فأبين ان ينكحننا إلى ان نجعل بيننا و بينهن أجلا فذكروا ذلك للنبي (ص) فقال اجعلوا بينكم و بينهن أجلا فخرجت انا و ابن عم لي معه برد و معي برد و برده أجود من بردي و انا أشب منه فأتينا على امرأة فقالت برد كبرد فتزوجتها فمكثت عندها تلك الليلة ثم غدوت و رسول الله (ص) قائم بين الركن و الباب و هو يقول أيها الناس اني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع الا و ان الله قد حرمها إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما اتيتموهن شيئا.
هذه هي روايات سبرة التي أخرجها مسلم و ابن حنبل و ابن ماجة نقلناها كلها ليتضح ما في دعاواه و آرائه من الفساد و هو قد أشار إليها في ص ١٣٣ مستدلا بها على التحريم المؤبد فقال و قد روى الامام احمد و الامام مسلم عن سبرة الجهني التحريم المؤبد من يوم الفتح إلى يوم القيامة اه.
(و نقول) أولا انها كما دلت على التحريم المؤبد يوم الفتح دلت على الاباحة يوم الفتح و على الاباحة في حجة الوداع و به تبطل دعواه السابقة انها لم تكن مباحة في شرع الإسلام أصلا و انها من بقايا أحكام الجاهلية و مبالغة في ذلك و إطالة لسانه بسوء القول فكيف عرف دلالتها على التحريم و عمي عن دلالتها على الاباحة؟
(ثانيا) انها لا تصلح دليلا لما زعمه من التحريم المؤبد من وجوه.
(الأول) انها مع تسليم سندها معارضة بما مر من الروايات عن جابر و عمران ابن الحصين و ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر و سلمة بن الأكوع و غيرهم و تلك أرجح لكثرة رواتها و روايات سبرة انما رواها الربيع بن سبرة عن أبيه فهي بمنزلة رواية واحدة مع تأكيد تلك بالاستشهاد بآية تحريم الطيبات و التصريح ببقاء الاباحة إلى خلافة الشيخين حتى نهى عنها عمر و تأكيد ابن عمر ذلك بالحلف بأنهم لم يكونوا على عهد الرسالة زانين و لا مسافحين و تصريح عمران بن الحصين بنزول آية المتعة و العمل بها و عدم نسخها و عدم نهي النبي (ص) عنها طول حياته و ان الذي حرمها قال ذلك برأيه.
(الثاني) انها مختلفة في تاريخ الاباحة و النسخ ففي بعضها من روايات مسلم و ابن حنبل أنهما كانا يوم الفتح و في بعضها من روايات ابن حنبل و ابن ماجة أنهما كانا في حجة الوداع. و في بعضها من روايتهما لم يعين الوقت و إذا ضممنا إلى ذلك ما ورد في إباحتها و تحريمها يوم خيبر و عمرة القضاء و حنين و أوطاس و تبوك و تكون قد أبيحت و نسخت سبع مرات كما تقدم مفصلا في أول البحث عند الكلام على قوله ان المتعة من غرائب الشريعة و كما فصلناه في الحصون المنيعة.
(الثالث) ان مضامينها متنافية متناقضة مع كونها حكاية لواقعة واحدة مع شخص واحد فرواية سبرة الأولى التي فيها التحريم يوم الفتح فيها تناقض بين روايتي مسلم و ابن حنبل فمسلم روى ان سبرة كان جميلا و برده خلق و صاحبه من قومه كان قريبا من الدمامة و برده جيد و ان الذي تمتع بها هو سبرة دون صاحبه و احمد روى ان القريب من الدمامة هو سبرة و برده جيد غض و برد ابن عمه خلق و ان الذي استمتع بها هو ابن عمه لا هو و رواية سبرة الأولى في صحيح مسلم و مسند أحمد ظاهرها ان الإذن كان بعد خمسة عشر يوما من دخول مكة. و روايتا مسلم و احمد الأخريان ظاهرهما ان الترخيص كان حين دخول مكة لقوله حين دخلنا مكة فلما قدمنا مكة طفنا ثم أمرنا بمتعة النساء و روايتا مسلم و احمد الأولتان دلتا على ان سبرة خرج مع رجل من قومه ابن عم له و رواية مسلم الثانية على انه خرج مع صاحب له من بني سليم و سبرة من جهينة و جهينة أبو بطن من قضاعة ابن معد بن عدنان. و بنو سليم بطن من مضر بن نزاد بن معد بن عدنان و هو سليم بن منصور و بنو سليم بن فهم أيضا فرقة من الأشاقر و هم بطن من دوس و دوس فرقة من غسان و غسان بطن من قحطان و جميع العرب الموجودين يرجعون إلى عدنان و قحطان و قضاعة كما في عيون المسائل فلا يتوهمن متوهم ان بني سليم من جهينة. و روايتان من روايات مسلم دلتا على ان سبرة تمتع بامرأة من بني عامر ببرد واحد و رواية ثالثة لمسلم على انه استمتع بامرأة من بني عامر ببردين أحمرين فكم مرة تمتع سبرة يوم فتح مكة مع ان في الروايات ما يدل على ان ذلك كله حكاية لواقعة واحدة صدرت معه يوم الفتح فان راوي هذه الروايات كلها عنه شخص واحد و هو ابنه الربيع بن سبرة و هي متحدة في أكثر الخصوصيات مثل خروجه مع رجل و عرضهما أنفسهما على المرأة و رفيقه دميم أكبر منه سنا و هو جميل شاب و تردد المرأة بينهما لذلك و اختيارها الشاب و كونها من بني عامر و كونها مثل البكرة العنطنطة أو العيطاء التي بمعناها فكيف تتفق معه كل هذه الخصوصيات كل مرة و مع ذلك فمرة كان هذا يوم الفتح و مرة في حجة الوداع و مرة كان هو الشاب الجميل الذي برده رديء فاختارته المرأة و مرة بالعكس كل هذا مما يدل على ان هذه الروايات موضوعة مضافا إلى أمور اخرى ذكرناها في الحصون المنيعة لبطلان هذه الروايات.
زعمه الإجماع على تحريم المتعة من الصحابة و الأمة
في ص ١٢٧: أجمعت الشيعة على ان عمر نهى عن متعة النساء على ملأ من الصحابة و الامام علي و شيعته عنده و سيفه بيده حاضر و لم ينكر ذلك على عمر منكر فهذا إجماع على ثبوت النهي و على ثبوت النسخ. و المجلس كان مجلس استشارة و لم يكن أحد يسكت فيه خوفا أو وهما و لم يكن من دأب علي ان يسكت في مثل هذه الساعة على مثل هذه المسألة و في السكوت هدم لحكم جليل من أحكام الدين هو شعار له و شارة. و دعوى التقية بعد كل هذه شان ذليل متهور يهرأ و يهزأ و يتفل على وجه الحق ثم ينجو بالسوأة و ابن عباس كان قد اشتهر عنه القول بالمتعة حتى جرت مجرى الأمثال و كان يقول بالمتعة جماعة من الصحابة و عن جابر انهم كانوا متمتعون من النساء حتى نهاهم عنها عمر ثم امتنعوا و النهي زمان عمر كان بإجماع من الصحابة فيهم علي و الإجماع إجماع على ثبوت نهي الشارع و على ثبوت النسخ من الشارع ثم قد أجمعت الأمة على منع المتعة و الامتناع عنها. و قد كانت في عهد الرسالة تثبت سنة و تخفى على جملة من الصحابة كثيرة و علمها عند واحد أو جماعة و يرى صحابي رأيا من عند نفسه يخالفها أو لا يخالفها و ابن عباس قد خفي عليه سنة في أبواب الربا و الصرف كما خفي عليه و على جماعة من الصحابة تحريم المتعة حتى أجمعت شورى الصحابة عند عمر و علي على ان الشارع