أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٨
و قد كانت تقام مظاهر عاشوراء، في دمشق، في السيدة زينب، حين ورد السيد الأمين إليها، بكثير من الاحتفالية التي تقام بها في النبطية من جبل عامل و في إيران و العراق، فقرر منع إقامتها بهذا الشكل، مبتدئا بمقاطعتها" و قاطعها معه وجهاء الطائفة و نخبتها في الشام" ثم انتهى الأمر بمنعها في السيدة زينب بتاتا.
و قد توج الرجل عمله الاصلاحي ذاك، بتأليفه ل رسالة التنزيه في أعمال الشبيه".
إن السيد الأمين يكشف بنفسه، السبب الاجتماعي- الاصلاحي لتاليف هذه الرسالة، في كتابه" خطط جبل عامل"، حيث يذكر تحت باب" عادات عاملية" ما يقوم به العامليون من قراءات و أعمال لاقامة عزاء الحسين ع في الليالي العشر الحرم. و إن الأساس التمثيلي لعاشوراء قد جاء على يد بعض الايرانيين المقيمين في النبطية، حيث أرادوا" عمل ما يسمونه الشبيه المشتمل على بعض الأعمال التي لا توافق الشرع مما اعتاده بعض عوامهم".»
" و قد اتسع هذا العمل بعد ذلك، و ساعد له عليه بعض من ينالهم منه نفع دنيوي .. و جعل بعض الناس يسميه المواكب الحسينية كما تسمى بعض الأعمال المعروفة بحلقات الذكر، و لأجله ألفنا رسالة التنزيه لأعمال الشبيه". «٢»
كما يذكر في مكان آخر أيضا أن" بعض قناصلة إيران أحدث هذه الشعائر و المواكب الحسينية في المشهد المنسوب إلى السيدة زينب بقرب دمشق". «٣» مما لا شك فيه، أن الدافع الذي دفع السيد الأمين إلى تأليف رسالة التنزيه هو دافع (فقهي- عقيدي) سعى من خلاله إلى إصلاح ديني اجتماعي.
فقد تعامل الرجل مع" عاشوراء"، على أنها" عمل ديني لذلك عالجها باجتهاد الحلال و الحرام، أو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فهو يعتبر أن عمله هو من أبواب النهي عن المنكر، على حد تعبيره في بداية الرسالة، حيث يقول:" .. و بعد فان الله سبحانه و تعالى أوجب إنكار المنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان و من أعظم المنكرات اتخاذ البدعة سنة و السنة بدعة". «٤»
و قد كان خصومه قد انطلقوا في حوارهم معه من هذا المنطلق الفقهي ذاته، باعتبار هذا العمل يدخل في دائرة الحلال و الحرام. فقد جاء في الرسالة ذاتها، على لسان الذي يناقشه السيد آراءه «٥» عن ضرب الرءوس و بضعها بآلة جارحة:
" و هذا أيضا مسنون شرعا إذ هو ضرب من الحجامة و الحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية مباحة بالأصل و الراجح منها مستحب و [الرجوع] المرجوح مكروه و المضر محرم و الحافظ للصحة واجب ..". «٦»
كما أن عنوان الرسالة بحد ذاته، يدل على الدائرة الفقهية للموضوع، إذ، ورد في العنوان:" التنزيه .. تتضمن الكلام على ما يدخل في إقامة العزاء للإمام الحسين الشهيد ع من المحرمات و التحذير منها" لذلك فهو يعتبر معركته معركة" دينية"، و يسميها بعض أنصاره" ثورة" «٧» و يعتبر أن هذه المعركة موجهة ضد" البدع و المنكرات" التي رأى إبليس و أعوانه إدخالها على شعائر الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي ع. «٨»
فما هي هذه المنكرات، أو المحرمات التي يرتكبها العوام في عاشوراء- بتسويلات من" إبليس" أو الشيطان، على حد تعبيره، و قام هو بعمله الاصلاحي للتصدي لها .. منها، حسب رأيه:
١- الكذب.
٢- و منها إيذاء النفس و إدخال الضرر عليها بضرب الرءوس و جرحها بالمدى و السيوف حتى يسيل دمها كثيرا .. و ضرب الظهور بسلاسل الحديد و غير ذلك.
٣- و منها استعمال آلات اللهو كالطبل و الزمر" الدمام" و الصنج النحاسية و غير ذلك.
٤- و منها تشبه الرجال بالنساء في وقت التمثيل.
٥- و منها اركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه.
٦- و منها صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب.
٧- و منها الصياح و الزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة.
٨- و منها كل ما يوجب الهتك و الشنعة". «٩»
إن سبب حرمة هذه الأمور، برأيه، هو" نص الشرع و حكم العقل".١»
أما الأمر الأول، و هو تنقية المجالس الحسينية من الكذب، فقد تصدى له بمجهود تاليفي تعليمي في كتابيه المعروفين: المجالس السنية في مناقب و مصائب العترة النبوية- باجزائه الثلاثة، و لواعج الأشجان في مقتل الامام أبي عبد الله الحسين .. و يليه كتاب أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار .. و قد تعهد السيد الأمين، في هذا المجال" النص الحسيني" و" الخطيب الحسيني" في مجالس التعزية، فاما من جهة النص، فقد اختار للمجالس السنية، الأخبار الصحيحة الموثوقة، و أسقط منها ما كان قد شاب هذه المجالس من أخبار المجالس مدسوسة مكذوبة، و تهاويل و مبالغات ينفر منها الذوق و ينكرها الدين، و تدخل في باب الاختلاق. أما من جهة" الخطباء" فقد" اختط للإصلاح خطة عملية صحيحة، ففرض على الخطباء