أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٥٤
الثامن
الأصل الاباحة فيما لا نص فيه و لم يقم دليل على تحريمه لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و لقوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) اي لانتفاعكم. و قوله تعالى: (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) و بعث الرسول كناية عن وصول الأحكام و الا فمجرد البعث قبل تبليغ الأحكام لا تتم به الحجة. و قوله تعالى: (قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به الآية) و أمثالها من الآيات
التاسع
البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين و لا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى و لا التنقيص منها لاختصاص ذلك به تعالى و بأنبيائه الذين لا يصدرون الا عن امره مع انه قد ورد النص بان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار (و اما تشخيصها) فهو مما يقع فيه الاشتباه فكم بدعة عدت سنة و بالعكس (و سبب الاشتباه) اما خطا في الدليل المستدل به على ان ذلك من الشرع أو ليس منه أو تقليد من سنها لحسن الظن به مع انه مبدع أو توهم انه لا بد من ورود النص بها بالخصوص مع دخولها في عمومه أو إطلاقه كما وقع في زماننا من بعض المتشددين فقالوا ان القيام عند ذكر ولادة النبي (ص) بدعة لعدم ورود النص به و الحال انه يكفي فيه عموم ما فهم من الشرع من لزوم احترام النبي (ص) و رجحان تعظيمه حيا و ميتا بكل أنواع الاحترام التي لم ينص الشرع على تحريمها (ثم) البدعة لا تكون بدعة الا إذا فعلت بعنوان انها من الدين فما قاله بعضهم من ان ما اصطلح عليه بعض المسلمين في هذه الأعصار من ترك الأعمال يوم الجمعة بدعة لأنه لم ينص الشرع على ذلك بل امر بالعمل بعد قضاء صلاة الجمعة اشتباه لأن الترك هنا بعنوان الراحة أو بعنوان مصلحة اخرى دينية أو دنيوية كإظهار حرمة يوم الجمعة و غير ذلك لا بعنوان انه في نفسه عبادة و طاعة و من ذلك توهم الوهابية ان التذكير و الترحيم بدعة لأنه لم يكن في عهد النبي (ص) إذ يكفي في مشروعيته عموم ما دل على رجحان ذكر الله تعالى و الصلاة على نبيه (ص) و الدعاء و نحو ذلك و تخصيصه ببعض الأمكنة و الأزمنة لفائدة مع عدم إتيانه بعنوان الخصوصية اي بعنوان انه مأمور به بالخصوص في هذا الزمان و المكان لا يجعله بدعة و كذلك جملة أشياء مما جعلوه بدعة كما سياتي بيان ذلك في الباب الأول.
العاشر
الأفعال تختلف أحكامها باختلاف القصد الموجب لاختلاف العنوان و تبدل الموضوع و باختلاف الأزمان و الأمكنة و الأحوال و الأشخاص الموجب لذلك و هذا معنى ما اشتهر ان الأحكام تتغير بتغير الأزمان (اما) اختلافها باختلاف القصد فكضرب اليتيم فإنه محرم بقصد الإيذاء راجح بقصد التأديب و كغيبة المسلم فإنها محرمة بقصد الانتقاص واجبة بقصد نهيه عن المنكر أو نصح المستشير أو اقامة الحق في مقام جرح الشاهد و كالسجود عند قبر النبي (ص) فإنه راجح مستحب بقصد الشكر لله تعالى على توفيقه لزيارته محرم بقصد السجود للنبي (ص) لعدم جواز السجود لغير الله تعالى إلى غير ذلك.
و اما اختلافها باختلاف الأزمان و الأشخاص و الأحوال فكلبس الأزرق مثلا حيث يعد زينة في بعض الأزمان أو الأمكنة فيحرم على الزوجة في وقت الحداد و يستحب إذا أرادت التزين لزوجها و كلباس الشهرة و لباس النساء المحرم على الرجال و بالعكس فإنه يختلف باختلاف الأزمان و الأشخاص و الأمكنة و كدفن المؤمن الجليل القدر قريبا من المزبلة فإنه يعد اهانة له فيحرم بخلاف دفن الزبال أو من صنعته نزح الكنيف و كانزال الضيف الشريف في مرابط الدواب فإنه يعد اهانة مع إمكان غيره بخلاف المكاري و قد يكون ترك القيام للشخص في زمان أو بلاد يعد اهانة له فيحرم و في زمان آخر أو بلاد اخرى لا يعد فلا يحرم و ملبوس الزهد و ماكوله يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و كهدم قبور الأنبياء و الأولياء و قبابهم و مشاهدهم فهب انه كان منهيا عن البناء نهي كراهة أو تحريم الا ان الهدم صار يعد في هذا الزمان اهانة لهم فيتعارض عنوان واجب و هو الهدم و عنوان محرم و هو الاهانة فيقدم الأهم و لا شك ان مراعاة عدم اهانة النبي أو الولي أهم من كل شيء.
الحادي عشر
قد يتعارض عنوان واجب مع عنوان محرم فيقدم الأهم كلمس بدن الأجنبية فإنه محرم لكن إذا توقف عليه انقاذها من الغرق أو شفاؤها من المرض فيجوز أو يجب و كالنظر إلى عورة الغير فهو محرم و يباح للطبيب و كاخذ المكوس فهو محرم عند الوهابية و غيرهم لكن الوهابية في فتواهم المذكورة في الخاتمة قالوا ان تركها الامام فهو الواجب عليه و ان امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين و الخروج عن طاعته من أجلها (أقول) و ذلك لأن جمع كلمة المسلمين و عدم شق عصاهم أهم في نظر الشرع من عدم أخذ المكوس لأن المفسدة التي تترتب على شق عصا المسلمين أعظم من المفسدة المترتبة على أخذ المكوس و بناء على هذا كان يجب على الوهابية عدم التعرض لهدم قبور أئمة المسلمين الذي يسوء ثلاثمائة و خمسين مليونا من المسلمين تحن قلوبهم إلى هذه القبور و يسوءهم هدمها و تدميرها أ فما كانت هذه المفسدة التي تشتت كلمة المسلمين و تسوءهم و توقع الخصام و العداوة بينهم في هذه الأيام العصيبة التي تبدد فيها جمعهم و وهى ركنهم و ضعف سلطانهم و فتحت بلادهم أعظم من مفسدة تحريم البناء على القبور ان كانت و أهم و اولى بالرعاية أ فما تقابل هذه المفسدة شق عصا المسلمين بلى و الله بل هي أعظم منها و أفظع و أوجع لقلوب المسلمين فهلا أبقيتم هذه القبور و لو حرم عندكم ابقاؤها كما أبقيتم قبر النبي (ص) و ابقاؤه عندكم حرام مراعاة لأهم المصلحتين و درءا لأعظم المفسدتين و منعتم الناس من الدنو إليها و لمسها الذي هو عندكم شرك كما منعتم من لمس قبر النبي (ص) و الدنو اليه مع انكم لا ترون إبقاء القبور شركا غايته التحريم.
الثاني عشر
تكفير المقر بالشهادتين المتبع طريقه المسلمين و استحلال دمه و ماله و عرضه عظيم و اي عظيم فلا يجوز الاقدام عليه و اعتقاده استنادا إلى أمور نظرية اجتهادية يكثر فيها الخطا و اخبار ظنية محتملة للكذب و التأويل