أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٣٦
الحيطان فازاله (قال) و قال انه من سنة ٥٥٤ إلى زمانه لم يقع دخول إلى الحجرة و قد توفي سنة ٦٤٣ (و لكن) حكى السمهودي عن الأقشهري بسنده عن الرحال احمد بن عاث انهم منذ قريب أربعين سنة سمعوا بالمدينة هدة في الحجرة الشريفة فكتب في ذلك إلى الخليفة فاستشار الفقهاء فأفتوا ان يدخلها رجل فاضل من القومة على المسجد فاختاروا بدر الضعيف و هو شيخ فاضل من بني العباس يصوم النهار و يقوم الليل فدلي فوجد الحائط الغربي قد سقط و هو حائط دون الحائط الظاهر فصنع له لبن من تراب المسجد فبناه و كانت رحلته سنة ٦١٣ و قد قال قريبا من أربعين سنة فيكون ذلك في حدود سنة ٥٧٠ و يكون في دولة المستضيء.
ثم احترق الحرم الشريف النبوي على ما ذكره السمهودي «١» نقلا عن المؤرخين ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة ٦٥٤ بسبب ان أحد الفراشين دخل إلى حاصل المسجد و معه نار فعلقت في بعض الآلات و أعجزه طفيها و احترق الحاصل و الفراش و المسجد كله و لم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله سنة ٥٧٦ لحفظ ذخائر الحرم لكونها بوسط صحن المسجد و بقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل و ذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت و وقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبي (ص) فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة و كتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله أبي احمد عبد الله بن المستنصر بالله في شهر رمضان فوصلت الآلات و الصناع مع ركب العراق في الموسم و ابتدئ بالعمارة أول سنة ٦٥٥ و أرادوا إزالة ما وقع من السقوف على الحجرة الشريفة فلم يجسروا و اتفق رأي أمير المدينة منيف بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنئ الحسيني و أكابر [هل] أهل الحرم ان يطالع الخليفة المستعصم بذلك فكتبوا اليه فلم يأت الجواب للاشتغال بفتنة التتر فتركوا الردم بحاله و أعادوا سقفا محكما فوقه على الحجرة الشريفة من ألواح ثخينة جدا من الساج الهندي و سمروا بعضها إلى بعض على قوائم من خشب و جعلوه اربع قطع كل قطعة كالباب العظيم و جعلوا عند ملتقى كل قطعتين مقصات من حديد و كلبوا بعضها إلى بعض تكليبا محكما و جعلوا تحته ثلاث جزم من الساج الهندي تحمله و لم يجعلوا في تلك الألواح دهونا و لا نقوشا و لا كتابة غير ان النجار كتب اسمه على طرف السقف نقرا و كذلك سقف المسجد المحاذي للحجرة الشريفة مما يلي هذا السقف جميعه من الساج النقي ليس عليه دهان و لا نقوش فسقفوا في سنة ٦٥٥ الحجرة الشريفة و بعض المسجد ثم دخلت سنة ٦٥٦ فكان في المحرم منها استيلاء التتار على بغداد و قتل الخليفة فوصلت الآلات من مصر و المتولي عليها يومئذ الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين ايبك الصالحي و وصلت آلات و أخشاب من صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور بن عمر بن علي بن رسول فعملوا إلى باب السلام ثم عزل صاحب مصر آخر سنة ٦٥٧ و تولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر و قتل بعد نحو أحد عشر شهرا و لم تتم عمارة المسجد و تولى مكانه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري فكمل في أيامه سقف المسجد (و قال السمهودي) ان السلطان المذكور لما حج سنة ٦٦٧ أراد ان يجعل على الحجرة الشريفة مقصورة فعملها و أرسلها سنة ٦٦٨ و عمل لها أبوابا و كانت نحو القامتين فزاد عليها الملك العادل زين الدين كتبغا في سنة ٦٩٤ شباكا دائرا عليها حتى وصلها بسقف المسجد و قد صارت هذه المقصورة تعرف بالحجرة الشريفة و أبوابها و قناديلها بأبواب الحجرة و قناديلها.
ثم عملت القبة الزرقاء و هي (أول قبة) عملت على الحجرة الشريفة (قال السمهودي) في وفاء الوفا «٢». لم يكن قبل حريق المسجد الأول و ما بعده على الحجرة الشريفة قبة بل كان حول ما يوازي الحجرة النبوية في سطح المسجد حظير مقدار نصف قامة مبنيا بالآجر تمييزا للحجرة الشريفة عن بقية سطح المسجد و استمر ذلك إلى سنة ٦٧٨ في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحي فعملت (القبة الزرقاء) و هي مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها باخشاب أقيمت على رؤوس السواري و سمر عليها ألواح من خشب و من فوقها ألواح الرصاص و فيها طاقة يرى المبصر منها سقف المسجد الأسفل و حولها على سقف المسجد ألواح رصاص و يحيط بها و بالقبة درابزين خشب مكان الحظير الآجر (قال) و رأيت في الطالع السعيد الجامع أسماء الفضلاء و الرواة بأعلى الصعيد في ترجمة الكمال احمد بن البرهان عبد القوي الربعي ناظر قوص انه بنى على الضريح النبوي هذه القبة المذكورة قال و قصد خيرا و تحصيل ثواب انتهى (أقول) و لم ينقل عن أحد من أهل العلم و الدين الذين كانوا في زمانه انهم أنكروا ذلك لكون البناء على القبور و عقد القباب عليها شركا أو محرما و كانت البلاد الإسلامية سيما الحرمين الشريفين غاصة بالعلماء (اما) ما حكاه السمهودي في وفاء الوفا من قول بعضهم انه أساء الأدب بعلو النجارين و دق الخشب فخارج عن المقام ان لم يكن مؤيدا لما نقوله من وجوب احترام قبر النبي (ص) و مخالفا لما تقوله الوهابية أو هو لازم قولهم من سقوط حرمة قبره (ص) مع ان هذا القول جمود و غباوة من قائله لأن علو النجارين و دق الخشب ليس فيه قلة احترام للمرقد الشريف لأنه مقدمة و واسطة لإعلاء شانه و رفع مناره فهو عين الإعظام و الاحترام مع ان الضرورات تبيح المحذورات فما هو الا كصعود أمير المؤمنين علي ع على منكب النبي (ص) يوم فتح مكة لالقاء الأصنام عن ظهر الكعبة و لو كان ذلك منافيا للأدب لما أوصى الصاحبان ان يدفنا بجنب النبي (ص) و لما نفذ الصحابة هذه الوصية مع استلزامها الضرب بالمساحي و المعادل و الدق و العنيف بجنب القبر الشريف مع ان أم المؤمنين كانت تسمع صوت الوتد و المسمار يصرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله (ص) كما مر في هذا الفصل و سياتي عن كتاب تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة ان باني هذه القبة قلاوون الصالحي و لعل الاشتباه حصل من بنائها في أيامه (قال السمهودي) و قد جددت في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فاختلت الألواح الرصاص عن وضعها فخشوا من كثرة الأمطار فجددت و أحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة ٧٦٥ و قال قبل ذلك انه حصل خلل في سقف الروضة الشريفة و سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق فجدد ذلك في سنة ٨٥٣ و ما قبلها