أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٩٨
نسان يتقدس بنفسه و حياء الإسلام فكرم الإنسان و هداه إلى ان الإنسان لا يتقدس الا بعمله و أقر المسح رمزا للتقديس و جعل المسح ثالث أركان الوضوء قبل غسل الأرجل لان اهتداء الإنسان في سبيل حياته لا يستقيم الا إذا استقام رأسه و تقدس عقله و لعل (كذا) لاجل هذا المعنى تأخر نزول آية الوضوء إلى عشرين من نبوته لان الأمة لم تتقدس الا بعد عقدين من سعيه.
المسح على الخفين
قال في ص ٣١ كتب الشيعة إذا تعصبت على المسألة تجازف في الكلام و تتجاوز حدود التشدد في المبالغة مثل ما روي في المسح على الخفين كان الصادق يقول ياتي على الرجل سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة لانه مسح على خفيه لانه غسل الرجلين و في ص ٥٥ سورة المائدة و آية الوضوء و التيمم نزلت في السادسة من الهجرة و عدد هذه الآية في السورة صار تاريخا لنزولها.
و آية التيمم نزلت في سفر النبي الذي ضاع فيه جزع أم المؤمنين عائشة و مقتها مشهورة كانت في السادسة و علي اعلم بمنازل الآيات. و ما في التهذيب عن الباقر ان عمر جمع الصحابة و فيهم علي فقال ما تقولون في المسح على الخفين فقام المغيرة بن شعبة فقال رأيت النبي يمسح فقال علي قبل المائدة أو بعدها فقال لا أدري فقال علي سبق الكتاب الخفين انما نزلت المائدة قبل ان يقبض بشهرين أو ثلاثة. مع كونه خطا تاريخيا أو موضوعا شاهد على إجماع من في المجلس ان النبي كان يمسح على الخفين حيث ان عليا لم ينكر على المغيرة قوله رأيت النبي يمسح على خفيه. و إذ ثبت ان النبي كان يمسح على خفيه فهذا الفعل من الشارع بيان لمعنى الجر في و أرجلكم و في ص ٤٦ ثبت المسح على الخفين في آخر أيامه بالمدينة في حديث عبد الله البجلي و كان بعد حجة الوداع. هذا بعض ما لأهل العلم في المسح على الرجلين و الغسل و المسألة معركة حرب كبيرة لم تكن في القرن الأول فلنضع أوزارها بعد اليوم.
(و نقول) أحكام الشرع ليست بالاستحسان بل بالدليل عن صاحب الشرع فاستحسان أقوال الشيعة في الطلاق و عدم استحسانها [فهي] في غسل الرجلين في الوضوء لا قيمة له. نعم يمكن الاستدلال على صحة الحكم بموافقته للحكمة و طريقة الشارع في باقي أحكامه و على فساده بمخالفته لذلك و كيف كان فنحن نحمد الله على ان استحسن بعض أحكامنا و لم يستقبحها كلها. و غسل كل شيء و كل الأعضاء مباح في الأصل لا يقول أحد بتحريمه لا من الشيعة و لا من غيرها لكن إباحته في الأصل لا تجعله جزءا من الوضوء الذي هو محل الكلام إذ لا يكفي في ذلك الأصل فاستدلاله على كونه جزء الوضوء بإباحته في الأصل جهل عظيم لا يستبعد صدوره منه. و قد نسخ ديننا جميع الأديان السماوية و اسفار موسى و غيرها فلا شغل لنا منها بغير الدين الإسلامي و ما نزل به القرآن الكريم و التنظف لا يحتاج إلى الأديان السماوية و التعبد يجب أخذه من ديننا لا من غيره فالاستشهاد بالأديان السماوية تطويل بلا طائل صح ما حكاه عنها أم لا فان كان موسى جار الله يريد غسل رجليه اتباعا لما جاء في اسفار موسى فله شانه.
و قد خبط في آية الوضوء خبط عشواء كعادته و تمحل و تعسف و لم يأت بطائل فادعى ان الغسل و المسح كلاهما متواتر في القرآن و السنة و لا تواتر في الغسل لا في القرآن و لا في السنة (اما القرآن) ففي الآية قراءتان الجر و النصب في و أرجلكم فإذا سلم ان القراءتين متواترتان يكونان. بمنزلة آيتين مستقلتين كما قال فقراءة الجر تعين المسح لتعين عطف الأرجل على الرءوس و اما قراءة النصب فاما ان تعطف فيها الأرجل على الوجوه أو على محل الجار و المجرور و كلاهما جائز بحسب القواعد العربية لكن عطفها على الوجوه يلزم منه التعقيد اللفظي المخل ببلاغة القرآن الموهم خلاف المقصود بتأخير لفظ عن موضعه و تقديم لفظ فتكون كقولك أكرم زيد أو عمرا و استخف بخالد و بكرا مع إرادة ان بكرا مأمور بالكرامة لا بالاستخفاف به فتعين عطف الأرجل على قراءة النصب على محل الجار و المجرور فان العطف عليه سائغ شائع قال:
معاوي اننا بشر فاسجح و لسنا بالجبال و لا الحديدا
و يكون ذلك جمعا بين القراءتين و هذه حجة من قال بالمسح اما من قال بالغسل فحمل قراءة النصب على عطف الأرجل على الوجوه و قراءة الجر على المجاورة نحو هذا حجر ضب خرب بجر خرب لمجاورة ضب و كلاهما غير صحيح اما الأول فيلزم منه التعقيد اللفظي المخل ببلاغة القرآن و اما الثاني فهو ضعيف فلا يحمل عليه القرآن على ان الجر بالمجاورة لا يصح مع الفاصل و هو هنا موجود و هو حرف العطف (ان قيل) نصب الأرجل دال على عطفها على الوجوه (قلنا) نصبها لا يعين ذلك لبقاء احتمال عطفها على محل الجار و المجرور الذي هو عربي جيد (ان قيل) تأخير الأرجل لبيان ان غسلها يجب ان يكون بعد مسح الرءوس (قلنا) لا دلالة في التأخير على ذلك لان الواو لا تفيد الترتيب بل مطلق الجمع (ان قيل) قراءة الجر لا تنافي الغسل لان غسل الأرجل لما كان فطنة الإسراف عطفت على الممسوح لبيان انه ينبغي ان تغسل غسلا خفيفا يشبه المسح لئلا يلزم الإسراف كما قاله صاحب الكشاف (قلنا) هذا الغاز يجب ان يصان عنه كلام الله تعالى المبني على بلاغة الاعجاز مع انه الغاز بما لا يفهم و لا يهتدي اليه و لا بقول المنجم و لم يقع مثله في كلام و العجب من صاحب الكشاف كيف يتفوه بمثله لكن من يريد جعل ما لا يكون كائنا لا بد ان يقع في مثل هذا فتعين ان تكون الأرجل في قراءة النصب معطوفة على محل الجار و المجرور و بذلك يكون المسح متعينا على كل حال فزعمه ان الغسل في الأرجل قرآن متواتر هذر من القول لا يعرف له معنى صحيح حتى لو سلمنا تواتر قراءة النصب و حمله قراءة النصب على الغسل و قراءة الجر على المسح على الخفين ستعرف فسادها (و أما السنة) فدعواه تواترها بالغسل و المسح على الخفين مجازفة محصنة فظهر ان جعله قول الباقر و الصادق تحكم استكبار عن جلال الله و تعجيزا لاختيار الله ما هو الأمر على كتاب الله و تحكم استكبار و عناد لامر الله و اساءة أدب عظيمة مع أولياء الله.
اما فلسفته الباردة و تمحله الفاسد في كلام ابن عباس فلا يجدي نفعا فابن عباس لم يقل ذلك ليجعله أسلوبا للمحاورة و المناظرة و تقريرا للاشكال و لا للمذاكرة و الاستفادة بل قاله عن اعتقاد و ردا على من يقول بالغسل و هل يقبل قوله لا أجد في القرآن الا المسح التأويل و هل يمكن ان يعارض قول الناس قول الله ليكون محلا للمناظرة و المذاكرة. و دعواه إجماع الصحابة التي أعدها لكل حادث طريفة جدا فإذا كان عدم الإنكار يفيد الإجماع فعدم انكارهم قوله لا أجد في القرآن الا المسح إجماع منهم على ان وظيفة الرجلين هي المسح و الا لأنكروا عليه قوله لا أجد في القرآن الا المسح فهو قد ادعى دعويين (إحداهما) انه لا يجد في القرآن الا المسح (و الثانية) ان الناس قد أخطأوا بقولهم بالغسل لمخالفته للقرآن، و الصحابة قد سمعوا ذلك منه و سكتوا فعلى قوله يكون سكوتهم إجماعا منهم على صحة كلا الدعويين و كان