أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٦٣
الصحيحة الصريحة المستفيضة- ان لم تكن متواترة- الآتية التي رواها أئمة الحديث في صحاحهم البخاري و مسلم و احمد بن حنبل و النسائي و الترمذي و غيرهم الدالة على إذن النبي (ص) فيها و على وقوعها في عهد الرسالة و مدة حياة النبي (ص) و في خلافة الشيخين و عدم نسخها. و كذلك الروايات الآتية التي ذكروها دليلا للنسخ فإنها لو ثبتت لكانت دالة على انه نسخ لحكم شرعي فهي تكذب دعاواه و كل هذه الروايات نص صريح لا يقبل شيئا من تأويلاته و تمحلاته الفاسدة.
و من جملة الروايات رواية الترمذي عن محمد بن كعب المار ذكرها في كلامه آنفا للتصريح فيها بان المتعة كانت في أول الإسلام و ان الرجل كان يتزوج المرأة إلى أجل بقدر ما يرى انه يقيم و هي تكذب قوله لم يكن في الإسلام نكاح متعة. و استظهاره ان النكاح كان ينعقد دائما ليس في الكلام ما يشير اليه إلا ان يكون وحيا نزل عليه و من جملتها رواية يعيب عليك الناس المار ذكرها أيضا في كلامه و تفسيره لها بما فسر به الأولى لا دلالة في الكلام عليه بشيء من الدلالات و ما يرضى به صاحبه تفسيرا لكلامه و إنما أراد انه يمكنه إيقاع النكاح من أصله دائما ثم يطلق لا انه إذا أوقعه إلى أجل انعقد دائما و لا يتوهم ذلك من عنده شيء من فهم و هي دالة على انه كان مشهورا بين الناس ان الله رخص في المتعة و انه هو الذي حرمها فلذلك عاب الناس عليه تحريمها لأنه ضيق عليهم فيما كان رخصة من الله و هو لم ينكر انه حرمها و انما اعتذر بان النبي (ص) أحلها زمن الضرورة و رجع الناس إلى سعة و لم يبق لها لزوم و لم يعتذر بان النبي (ص) حرمها بعد ما أحلها بل ظاهره ان إحلالها باق و لكنه لم يعلم ان أحدا عاد إليها و لا عمل بها لكونهم في سعة و غنى عنها لا لأنها محرمة و في هذا رد صريح لما ادعاه من انها من بقايا عوائد الجاهلية و في قوله أي ضرورة إلخ رد على الخليفة الذي قال ان النبي أحلها للضرورة و رجع الناس إلى سعة فإنه كالصريح في ان الضرورة عدم السعة لا ما زعمه من انها عادة جاهلية لم يمكن قلعها إلا بعد في زمن. ثم اعتذر بعذر أوسع من ذلك و هو انه لو فرض بقاء الضرورة إلى التزوج بقبضة فالآن من شاء نكح بقبضة نكاحا دائما و فارق بعد ثلاث بطلاق فالضرورة لا تدعوا إلى المتعة لإمكان الاستغناء عنها بالدائم بمهر مثل مهر المتعة و الفراق بالطلاق بدلا من انقضاء الأجل و قد أصبت في تحريمي المتعة و لم أضيق على الناس فليس لهم ان يعيبوا علي تحريمها هذا هو معنى الحديث لا ما تمحله و لسنا الآن بصدد ان هذا العذر مقبول أو لا و ان التزوج دائما بقبضة لا يتيسر غالبا و انما كلامنا في ان ما ذكره هذا الرجل لا مساس له بالحديث و قد ظهر ان ما استشهد به من الحديثين هو عليه لا له ككثير من استشهاداته و استدلالاته. و يكذبه أيضا قول الخليفة نفسه متعتان كانتا على عهد رسول الله انا احرمهما و أعاقب عليهما.
(و الإجماع) حكاه الامام فخر الدين الرازي في تفسيره فقال اتفقوا على انها كانت مباحة في صدر الإسلام اه. و الإجماع مشاهد من أقوال العلماء فقد عرفت انه لم ينكر انها كانت مشروعة في الإسلام أحد قبل هذا العصر.
و من أقوال أئمة المسلمين بأنها شرعت في الإسلام ما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض عن المازري انه قال ثبت ان نكاح المتعة كان جائزا في أول الإسلام اه. و قال انه كان نكاح المتعة مباحا في أول الإسلام ثم حرم و هو الآن جائز عند الشيعة اه. و قال ابن المنذر بنقل صاحب الوشيعة جاء من الأوائل الترخيص في المتعة و لا اعلم اليوم من يجيزها إلا بعض الشيعة اه. فبان ان دعاواه هذه مخالفة منه لإجماع و مصادمة و تكذيب لما يرويه أئمة الأمة الذين اثنى عليهم أعظم الثناء.
(ثالثا) زعمه انها كانت من العوائد التي لا تستأصل و لا تقتلع إلا بزمن و إلا بالقوة و ان البعض كان يرتكبها جريا على عادة مستحلا أو جاهلا و انه لم يقتلع منها إلا بعد ان نودي بتحريمها مرات أيام خيبر و الفتح و حجة الوداع و قياسها على ما جاء في آية و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم و على العري في الطواف و تحريم الخمر فساده أوضح من ان يبين فكونها من عوائد الجاهلية قد عرفت فساده. و العوائد الجاهلية يقتلعها الإسلام بمجرد نهي النبي (ص) عنها و لم يكن الذين آمنوا به ليبقوا عليها بعد النهي حتى يقتلعها الزمن و نسبة ذلك لهم قدح في ايمانهم و عدالتهم و مناف لما وصفهم به من انهم:
رهبان ليل يذكرون كلامه اساد غيل في الوغى بنهار
و قوله مستحلا أو جاهلا لا بد ان يكون مراده به مستحلا عالما بالتحريم أو جاهلا بالتحريم بقرينة و اي شيء أفظع من نسبة استحلال الزنا إلى الصحابة بعد علمهم بالتحريم و اين تكون عدالتهم. و كيف يتصور عاقل ان الصحابة داوموا على فعلها و لم يقتلعوا عنها إلا بعد ان نودي بتحريمها مرات آخرها في حجة الوداع فكانوا يفعلونها إلى الحجة الوداع التي هي آخر حياة النبي (ص) فان كانوا لم يسمعوا هذا النداء الذي تكرر ثلاث مرات بل سبع مرات على رؤوس الأشهاد في غزوات متعددة و مواضع متبددة في ضمن سنين فذلك ما لا يقبله عقل و ان كانوا سمعوا و أصروا و عصوا فهو نسبة لأشنع القبائح إليهم هذا هو العلم الذي هدي اليه موسى جار الله اما قياسه لها على ما جاء في آية و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم فهو قياس فاسد فذاك نكاح ثبت حصوله في الجاهلية بنص القرآن و تحريمه بنص القرآن و ضرورة دين الإسلام و لم يرد فيه ترخيص أصلا و هذا نكاح لم ينقل انه كان في الجاهلية و ورد القرآن بتحليله و اتفق المسلمون على انه شرع في صدر الإسلام- و ان خالفهم موسى تركستان في آخر الزمان- و اختلفوا في نسخه و صرحت الروايات الصحيحة الآتية بأنه وقع في عصر النبي (ص) و باذنه و آية إلا ما قد سلف ليس فيها إقرار لنكاح الجاهلية بوجه من الوجوه إذ الاستثناء فيها منقطع كما نص عليه النحويون و قالوا انه استثناء من المفهوم اي فالنكاح ما نكح أبوه مؤاخذ إلا ما قد سلف في الجاهلية فلا مؤاخذة عليه لأن الإسلام يجب ما قبله و هذا ليس فيه شيء من إقرار نكاح الجاهلية.
ثم انه تكلم على آية الا ما قد سلف فقال في ص ١٤٩ ذكر في القرآن المحرمات خمس عشرة نسوة أولادها امرأة في نكاح أبيك و اخراها محصنة لم تدخل في حيطة نكاحك و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم الآية. و في ص ١٥٠- ١٥١ يعجبني إعجابا يملأ قلبي فرحا و قناعة قول إمام الأمة شمس الأئمة الامام السرخسي في كتابه المبسوط الذي لم يؤلف قلم الاجتهاد في مذاهب الإسلام كلها كتابا في فقه الشريعة مثله فقد قال في موجز إيضاحه: معنى الاستثناء في مثل هذه الآيات ان الا في معنى و لا. لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم. و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم الآية. لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون و لا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا. و ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا إلا خطا. قال: و هذا الذي قاله صاحب المبسوط في هذه الآيات الأربع معنى بديع سهل واضح. اه.
باختصار.
و هذا الذي نقله عمن سماه امام الأمة و شمس الأئمة و بالغ فيه و في كتابه