أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٢٠
علي في خلافته بعد الثلاثة من هذا الشبه حظ عظيم لم يستقم له امر كما لم يستقم لهارون في خلافته القصيرة امر بني إسرائيل حتى عبدوا العجل الذي تسند التوراة صوغه إلى هارون نفسه و القرآن قد برأ هارون و ان كان لعلي عند أدعياء الشيعة نصيب من هذه المنزلة التي ابتهرها اليهود على هارون. ثم نقل في صفحة (ن) و صفحة (ان) و صفحة (ب ن) عن التوراة ما حاصله: ان هارون و كل بنيه لم يكن لهم نصيب في ارض إسرائيل و لم يكن لكاهن و لا لاوي حظ في الرئاسة لم يكن لهم الا خدمة خيمة الاجتماع لم يكن لموسى و هارون و لا لابنائه شيء من الدنيا و انما لهم الله و كل ما في السماء، و قال انها عبارة سماوية يعجبني غاية الاعجاب بلاغتها و علو معناها و هي تحقيق لقول كل رسول لكل امة و ما أسألكم عليه من أجر ان اجري الا على رب العالمين.
و في التوراة ان موسى قد حرم ان يرى شيئا من الرئاسة و انه قد خلع ثياب هارون المقدسة و صار هارون محروما من كل حق له و لو بقي بعد موسى لما كان له شيء و ان يوشع صار قائدا لا بالاستخلاف بل تنازل له موسى عن كل حقوقه و عزل لاجله هارون بعد ان حرم الله موسى و هارون من حق العبور و كل ذلك مفصل في الخروج و العدد و التثنية من اسفار التوراة فقول النبي (ص) لأخيه علي أ ما ترضى ان تكون إلخ يدل دلالة قطعية على ان عشيرة النبي و عليا و أهل البيت ليس لهم نصيب وسط الأمة و ليس لاحد منهم لا لعلي و لا لأولاده و لا لعباس و لا لأولاده حق من جهة النسب لم يكن لأهل البيت نصيب الله هو نصيبهم. و هذا ليس بحرمان و انما هو رفع لعظيم اقدارهم و شريعة مقدسة في كل رسالة. و قال في صفحة (ن) لم يكن لاحد من عشيرة النبي حق في الخلافة نعتقد ان الله صرف الدنيا و الخلافة عن أهل البيت إكراما لأهل البيت و تبرئة للنبوة و لبيت النبوة (إلى ان قال) و كل من نال حظا من الملك و الرئاسة من بيوت العرب في تاريخ الإسلام قد صدق فيهم قول القرآن الكريم (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و أعمى أبصارهم) و هذه الآية اتى تأويلها في البيت الأموي و العباسي في أفجع صورة و من حام حول الحمى أوشك ان يقع فيه فلأجل ذلك صرف الله الخلافة عن عشيرة النبي و ابنائه تبرئة لنبيه عن أبعد التهم و رفعا لقدر ابنائه اختارهم و اصطفاهم لنفسه و الله وحده و عرشه هو نصيب أهل البيت في الدنيا.
(و نقول) في كلامه هذا العريض الطويل الخالي عن التحصيل مواقع للعجب و الرد (أولا) انه لما عزم النبي (ص) على غزاة تبوك خلف عليا ع على المدينة لانه علم بالوحي انه لا يكون في هذه الغزاة حرب و الا لم يخلفه و لم يكن به غناء عنه في جميع غزواته و لا سد أحد مسده في بدر و أحد و الخندق و خيبر و غيرها فقال المنافقون انما خلفه استثقالا به فشكا ذلك علي إلى النبي (ص) فقال له أ ما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. و هو اختصر الكلام مقدمة لتصغير امر المنزلة و تهوينه بأنها امر جزئي بمدة قصيرة.
(ثانيا) تكرر منه مقابلة الأمة بالشيعة و ليس له في ذلك معذرة مسموعة و ما دعاه اليه الا حاله المعلومة و امة يخرج منها أهل البيت و شيعتهم ليست بامة.
(ثالثا) حديث المنزلة الذي اعترف بصحة سنده و اتفاق جميع المسلمين عليه دال دلالة واضحة على عموم المنزلة بقرينة الاستثناء فإنه إخراج ما لولاه لدخل كما ذكره أهل العربية فلو لم يدل على العموم لما احتيج إلى الاستثناء و لما صح الاستثناء فلما استثنيت النبوة بقي ما عداها على العموم فيما عدى المستثنى و لكنه نسي ذلك أو تناساه و هارون كان شريكا لموسى ع في النبوة و لو بقي بعد موسى لكان نبيا لكنه مات في حياة موسى فلو لم تستثن النبوة لكان علي شريك محمد فيها و ببقائه بعده يكون نبيا بعده و خليفته في أمته فلما استثنيت النبوة علمنا انه ليس بنبي و بقي ما عدا ذلك على العموم و منه خلافته بعده المجردة عن النبوة و لو لم يكن عموم المنزلة دالا على ان عليا له منزلة هارون بعد النبي (ص) لما احتيج إلى استثناء النبوة بعده و هذا بمكان من الوضوح فاستثناء النبوة بعده يدل على عموم المنزلة و تخصيصها بالخلافة القصيرة عند غيبته و باضطراب الأمر عليه تخصيص بلا مخصص و ثبوت ذلك له لا ينفي ما عداه.
(رابعا) زعمه ان لعلي حسب ادعاء الشيعة نصيب من منزلة هارون التي ابتهرتها اليهود عليه من صوغ العجل افتراء و بهتان و هو اولى بان يكون دعي المسلمين.
(خامسا) قد اولع بالاستشهاد لدعاواه بكلام التوراة كما فعل هنا و في عدة مواضع فهل ندع كلام القرآن و نصوصه و نتبع عبارات ينقلها هو عن التوراة المنسوخة المحرفة لا نعلم صحتها: و لا نفهم دلالتها. يقول الله تعالى في سورة طه حكاية عن موسى ع لما أراد إرساله إلى فرعون (و اجعل لي وزيرا من اهلي هارون أخي اشدد به ازري و أشركه في امري) فأجابه الله تعالى بقوله: (قد أوتيت سؤلك يا موسى) إلى ان قال: (اذهب أنت و أخوك باياتي و لا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون انه طغى) إلى ان قال: (فأتياه فقولا انا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك) دلت هذه الآيات الكريمة على ان هارون الذي هو أخو موسى و من اهله و نسبه وزير لموسى و ناصر شاد لازره و شريك له في النبوة و الرسالة و لو بقي بعده لكان نبيا و دل قول الرسول (ص) لعلي الذي اعترف المؤلف بصحته أ ما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي على ان لعلي من الرسول هذه المنزلة التي كانت لهارون من موسى و هي انه أخوه و وزيره من اهله و ناصره و شاد أزره و شريكه في امره و قد كان علي كذلك فهو ان لم يكن أخا النبي (ص) في النسب فهو أخوه بالمؤاخاة و هو وزيره بنص القرآن لا من تدعى له الوزارة غيره و شاد أزره و ناصره نصرا لا يبلغه نصر هارون لموسى و شد أزره و شريكه في امره فهذا النبي و هذا الوصي بعده و هذا الداعي إلى الحنيفية و هذا داعم دعوته بسيفه و جهاده و لم يستثنى من هذه المنزلة الا النبوة بعده كما مر في الأمر الثالث.
(سادسا) هذه العبارة التي أعجبته غاية الاعجاب بلاغتها و علو معناها و زعم انها تحقيق لقول و ما أسألكم عليه من أجر (إلخ) كلامه فيه كرحى تطحن قرونا جعجعة بلا طحن فهذا الذي استشهد به من كلام التوراة و زعم انه محقق لعدم سؤال الأجر لا مساس له بالموضوع فإذا كان هارون و ابناؤه ليس لهم نصيب في ارض إسرائيل و ليس لهم شيء من الدنيا و كانوا زاهدين فيها قانعين فهل يدل ذلك على انه ليس لهم شيء من النبوة و الخلافة و الامامة حتى نقيس عليهم عشيرة النبي (ص) و نقول ليس لهم حق في الخلافة و الامامة لان عليا بمنزلة هارون بل زهدهم في الدنيا و كونهم ليس لهم شيء منها يحقق إمامتهم و خلافتهم فما زال أنبياء الله و أوصياؤهم زاهدين في الدنيا راغبين عنها فهارون شريك موسى في النبوة مع كونه ليس له شيء من الدنيا فإذا كان أهل البيت ليس لهم شيء من الدنيا هل يقتضي ذلك ان لا يكون