أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٣٢
حاله من الأحاديث لا يعمل به و لا يعول عليه و لو فرض صحة سنده باعتراف الوهابية فضلا عن غيرهم ففي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية المنسوبة لعبد العزيز بن محمد بن سعود «١» ان الحديث إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به فإنهم قالوا ان الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ و لا علة (انتهى) و أي شذوذ عن قواعد الشرع أعظم من مخالفة عمل المسلمين من الصدر الأول إلى اليوم من الصحابة و التابعين و تابعي التابعين و سائر المسلمين و أي علة أكبر من ذلك و من عمل بها أو ببعضها لم يحملها الا على الكراهة أو خصها بما لا يكون تعميره من اقامة شعائر الدين كقبور الأنبياء و الأولياء و الصالحين (أما عدم العمل بها) فمن وجوه (أحدها) ان الكتابة المشتمل عليها بعضها لم يعمل بها أحد كما ستعرف في فصلها (ثانيها) ان قبور الأنبياء التي حول بيت المقدس كقبر داود ع في القدس و قبور إبراهيم و بنيه اسحق و يعقوب و يوسف الذي نقله موسى من مصر إلى بيت المقدس عليهم السلام في بلد الخليل كلها مبنية مشيدة قد بني عليها بالحجارة العادية العظيمة من قبل الإسلام و بقي ذلك بعد الفتح الإسلامي إلى اليوم (فعن) ابن تيمية في كتابه الصراط المستقيم ان البناء الذي على قبر إبراهيم الخليل ع كان موجودا في زمن الفتوح و زمن الصحابة الا انه قال كان باب ذلك البناء مسدودا إلى سنة الأربعمائة انتهى و لا شك ان عمر لما فتح بيت المقدس رأى ذلك البناء و مع ذلك لم يهدمه و سواء صح قول ابن تيمية انه كان مسدودا إلى الأربعمائة أو لم يصح لا يضرنا لأنه يدل على عدم حرمة البناء على القبور و قد مضت على هذا البناء الأعصار و الدهور و توالت عليه القرون و دول الإسلام و لم يسمع عن أحد من العلماء و الصلحاء و أهل الدين و غيرهم قبل الوهابية انه أنكر ذلك أو أمر بهدمه أو حرمه أو فاه في ذلك ببنت شفة على كثرة ما يرد من الزوار و المترددين من جميع أقطار المعمورة. و بذلك يظهر بطلان زعم الوهابية ان البناء على القبور حدث بعد [عصد] عصر التابعين و قول ابن بليهد انه حدث بعد القرون الخمسة و يكذبه أيضا مضافا إلى ما ياتي في بناء الحجرة الشريفة النبوية ما سياتي في فصل اتخاذ المساجد على القبور من وجود المسجد على قبر حمزة في المائة الثانية و ما مر في هذا الفصل عند رد دليلهم الثالث من ان قبر العباس و أئمة أهل البيت كانت في دار عقيل مع عدم الفرق بين البناء الحادث و المستمر و ان قبر إبراهيم ابن رسول الله (ص) كان في دار محمد بن زيد بن علي و ان قبر سعد بن معاذ في دار ابن أفلح و ان عليه جنبذة اي قبة في زمن عبد العزيز بن محمد الذي هو من أهل المائة الثانية بتصريح السمهودي كما ياتي في فصل اتخاذ المساجد على القبور (ثالثها) انها قد بنيت الأبنية على القبور في عهد الصحابة و من بعدهم قبل المائة الخامسة و أولها قبر النبي (ص) فإنه قد دفن في حجرة مبنية و دفن فيها صاحباه.
و يظهر من السيرة النبوية لأحمد بن زيني دحلان ان ذلك كان بشبه وصية منه (ص) حيث قال «٢» و اختلفوا في موضع دفنه (ص) فقال أبو بكر (رض) سمعت رسول الله (ص) يقول ما مات نبي قط الا يدفن حيث تقبض روحه فقال علي و انا أيضا سمعته رواه الترمذي و ابن ماجة و في رواية الموطإ ما دفن نبي قط الا في مكانه الذي توفي فيه انتهى و لو كان البناء على القبور محرما و واجب الهدم لهدمها الصحابة قبل دفنه (ص) فيها أو دفنوه (ص) في مكان لا بناء فيه إذ لا يتصور فرق بين البناء السابق و اللاحق و لم يقل أحد بالفرق و لو كانت بمنزلة الأصنام كما يزعم الوهابيون لم يكن فرق بين البناء السابق و اللاحق مع انهم قد بنوها لاحقا بنى عليها عمر بن الخطاب حائطا و هو أول من بناها و بنت عائشة حائطا بينها و بين القبور و كانت تسكنها و تصلي فيها قبل الحائط و بعده و بذلك يبطل قولهم بعدم جواز الصلاة عند القبور و بناها عبد الله بن الزبير ثم سقط حائطها فبناه عمر بن عبد العزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بنى على البيت حظارا و في رواية أنه هدم البيت الأول ثم بناه و بنى حظارا محيطا به و تولى ذلك عمر بن عبد العزيز و أزر الحجرة بالرخام ثم أعيد تازيرها في زمن المتوكل الخليفة العباسي ثم جدد في زمن المقتفي ثم عمل في زمنه للحجرة مشبك من خشب الصندل و الآبنوس على رأس جدار عمر بن عبد العزيز ثم لما سقط حائط الحجرة في دولة المستضيء أعيد بناؤه ثم لما احترق الحرم الشريف سنة ٦٥٤ شرعوا في تجديد الحجرة الشريفة في دولة المستعصم آخر ملوك بني العباس و أكمل تعميرها من آلات وصلت من مصر في عهد الملك المنصور ايبك الصالحي و أخشاب من صاحب اليمن الملك المظفر ثم أكمل تعميرها في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحي صاحب مصر فعملت أو قبة على الحجرة الشريفة و هي القبة الزرقاء بناها احمد بن عبد القوي ناظر قوص سنة ٦٧٨ ثم جددت في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ثم في أيام الملك الأشرف سنة ٧٦٥ ثم جددت في دولة الظاهر جقمق سنة ٨٥٣ ثم جدد بناء الحجرة الشريفة سنة ٨٨١ في دولة الملك الأشرف قاتباي صاحب مصر و عمل عليها قبة سفلية تحت القبة الزرقاء ثم لما احترق الحرم الشريف ثانيا سنة ٨٨٦ أعيد بناء الحجرة الشريفة و عمل عليها قبة عظيمة بدل القبة الزرقاء و التي تحتها و ذلك في دول الملك الأشرف قاتباي ثم جدد بناؤها سنة ٨٩١ في دولة الملك الأشرف و لم يزل ملوك بني العباس يجددون ما انهدم منها و كذلك ملوك بني عثمان و قد جددت في عهد السلطان عبد المجيد منهم كما سياتي تفصيل ذلك كله.
(و مما بني في عهد الصحابة) و بعده قبل المائة الخامسة ما ذكره السمهودي في وفاء الوفا كما سياتي في فصل الكتابة على القبور ان عقيلا لما حفر بئرا في داره وجد حجرا مكتوبا عليه هذا قبر أم حبيبة فدفن البئر و بنى عليه بيتا و ان ابن السائب قال دخلت البيت فرأيت القبر (و بنى) الرشيد قبة على قبر أمير المؤمنين علي (ع) كما عن عمدة الطالب و غيره و كان الرشيد في المائة الثانية ثم تتابع البانون في بنائها إلى اليوم و فيها يقول الحسين بن الحجاج الشاعر الفكاهي المشهور المتوفى سنة ٣٩١ في مطلع قصيدة:
يا صاحب القبة البيضاء على النجف من زار قبرك و استشفى لديك شفي
و عن الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ان الكاظم ع دفن في مقابر الشونيزية خارج القبة و قبره هناك مشهور يزار و عليه مشهد عظيم فيه القناديل و أنواع الآلات و الفرش ما لا يحد انتهى فيدل على وجود قبة عند دفن الكاظم ع و هو سنة ١٨٣ و على وجود مشهد في عصر الخطيب المولود سنة ٣٩٢ و لا بد ان يكون حدوثه قبل عصره (و ذكر) المؤرخون