أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٦٩
الأول و الرابع قد نص عليهما فيما تقدم لم يحتج إلى إعادتهما و نص على الثالث بقوله: (فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة و لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) و سمى المهر هنا اجرا كما سمى المهر في الدائم صداقا و بين حكم هذا المهر بأنه يجوز الحط منه بالتراضي ثم بين حكم الرابع بقوله: (و من لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) (إلى قوله) (فانكحوهن باذن أهلهن و آتوهن أجورهن بالمعروف) (إلى قوله) (و ذلك لمن خشي العنت منكم و ان تصبروا خير لكم) و بذلك تم الكلام على جميع أقسام النكاح فأين هو البتر الذي يحصل في الكلام و اختلال النظم لو أريد بهذه الجملة المتعة لو كان يعقل ما يقول فظهر انه لا شيء من أدب البيان و لا نظم الآية يأبى ذلك بل الأمر بالعكس فان حملها على الدائم و حمل الأجور على المهور يوجب التكرير بلا فائدة كما ياتي عن حكاية الامام الرازي فان الدائم قد تقدم بقوله فانكحوا ما طاب لكم و المهور بقوله و آتوا النساء صدقاتهن و المهر في الدائم يجب بالعقد لا بالاستمتاع فلا يصح جعل فأتوهن أجورهن لبيان مهر الدائم بخلاف المتعة فان المهر لا يجب إلا بالاستمتاع هذا الذي ينافي أدب البيان و نظم الآية و لو كان في دعوى نزولها في المتعة ما يوجب ما ذكره لتفطن له العلماء السالفون و ردوا به على القائلين بحليتها فإنهم قد تشبثوا في ردهم بكل رطب و يابس إلا ان يكون قد اهتدى في آخر الزمان إلى ما لم يهتد اليه علماء الصحابة و التابعين و باقي علماء المسلمين (فكم ترك الأول للآخر) كما ظهر انه ان أريد بهذه الجملة المتعة لم يبق الكلام في أصل النكاح أبتر- و ان صورت له مخيلته ذلك تمحلا و تعنتا- بل دعواه هذه بتراء نكراء. و لم يكن قد عجل ليرضي شيعة علي- التي تفتخر بأنها شيعته، كما عجل موسى تركستان إلى البهت و السخرية بغير حق ليرضي هواه. و لا عجلة موسى بن عمران. و انه لا يلزم من حمل الآية على المتعة قطع كلام قبل إتمامه و لا طفرة عصفور و لا وثبة ليث هصور. و ما أذن الله تعالى فيه لا يسوغ لذي دين ان يعبر عنه بعبارات السخرية و الاستهزاء. و المتعة مما أذن الله تعالى فيه بالأدلة القاطعة سواء أسماها- بادبه- سفاد عصفور أم ملك بأعلى القصور فالأحكام الشرعية لا تثبت و لا تنفى إلا بالدليل لا بمثل هذه الكلمات التي لا تشين إلا قائلها.
و ان قوله و يطيل الكلام في أجر السفاد ما هو إلا اعتراض على الله تعالى و تهجين لكلامه و سخرية من أحكامه و لا يكون مثل هذا الكلام كلام عاقل و لا متدين و لا كلا له شان و لا كلام من يعرف شيئا من أدب البيان و أي كلمة يمكن ان تكون أضيع من آية يتلاعب بها على مقتضى هواه و يحملها على مشتهاه. و حفنة بر و كف شعير هي كتعليم السورة قد جاءت بها صحاح الأخبار كما ياتي و جوزها الشارع مهرا لهما و الشرع جاء ببيان حكم الخطير و الحقير و قد حكى هو فيما مر انه قيل لعمر كانت المتعة رخصة من الله نستمتع بقبضة و نفارق عن ثلاث فقال فالآن من شاء نكح بقبضة و فارق عن ثلاث بطلاق و ان تمحل له هناك بأنه كان ينعقد دائما لكنه يكفينا كون الدائم يكون بقبضة فابرازه بمعرض السخرية ما هو إلا استهزاء باحكام الله (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) و آية (و من لم يستطع) ياتي الكلام عليها.
و ما حكاه عن هشام بن الحكم بيان شاف واف تام لا بيان أتم منه موضح للحكمة البالغة في أحكام الشريعة الإسلامية و مبين انها ارقى الشرائع و أسماها و أشدها قمعا لمادة الزنا و الفجور بحيث لا تدع مجالا لمرتكبه إلا ان يكون لا يبالي بمعصية الله و يختارها عفوا مقدما للحرام على الحلال و للفجور على العفاف. و هذا البيان كسائر بيانات الشيعة و فرائد علومهم التي ورثوها عن أهل بيت الوحي و معادن العلم لا يصل إليها هو و لا من فوقه و ابرازه لها في معرض النقد و العيب لا يضرها.
فكم من عائب قولا صحيحا و آفته من الفهم السقيم
و فلسفته التي زخرفها ردا على ما قاله هشام بان حمل (فما استمتعتم) على النكاح إلى أجل يحرف القرآن و يخل بنظم الآية و يبطل ترتيب البيان قد ظهر مما مر في الأمر الرابع انها فلسفة مزيفة لم تكن إلا هباء منبثا و جفاء مجتثا و تحريفا لكلام الله عن مواضعه.
(خامسا) إذا ورد لفظ الاستمتاع في آية في الانتفاع الدائم في الحياة الدنيا فهل يجب ان يكون كل لفظ استمتاع كذلك؟ على ان الذين اذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ليس كلهم كان استمتاعهم بها دائما و ياتي في أحاديث البخاري و مسلم و غيرهما التعبير عن المتعة بالاستمتاع ففلسفته هذه واهية باردة.
(سادسا) معنى محصنات. متزوجات غير زانيات أو عفائف غير زوان.
و معنى محصنين غير مسافحين متزوجين غير زانين أو أعفة غير زناة كما قاله المفسرون و هو الذي يظهر من اللفظ. و لا متخذات أخدان. و لا متخذي أخدان أي أخلاء في السر لأن الرجل منهم كان يتخذ صديقة فيزني بها و المرأة تتخذ صديقا فيزني بها و عن ابن عباس كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا و يستحلون ما خفي منه فنهى الله عن الزنا سرا و جهرا بقوله:
(و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن) فمعنى غير مسافحات و لا متخذات أخدان غير زانيات لا سرا و لا جهرا و بذلك ظهر حال هذا الرجل في استدلالاته، و ظهر كذب قوله نكاح المتعة لا إحصان به. المتعة فيها سفاح ماء غي غير حرث. المتعة اتخاذ خدن في كلا الطرفين و ترتيبه على ذلك انها حرام بنص القرآن هذا القياس أو الأقيسة التي رتبها من الشكل الأول لا ينقصها في صحة الاستدلال بها إلا ان الصغريات فيها كاذبة. الإحصان النكاح بعقد صحيح و من الذي قال لك المتعة لا إحصان فيها. السفاح الزنا مقابل النكاح الصحيح و من أخبرك ان المتعة سفاح و الأخدان الأصدقاء و من اين علمت ان المتعة اتخاذ أخدان في كلا الطرفين هذا نموذج من علم هذا الرجل و احتجاجه بعين لدعوى، حكى الفخر الرازي في تفسيره عن أبي بكر الرازي انه استدل على ان ليس المراد من الآية نكاح المتعة بان قوله غير مسافحين سمى الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء و لا يطلب فيه الولد و سائر مصالح النكاح. و المتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكانت سفاحا. و أجاب الفخر الرازي عن ذلك بان المتعة ليست كذلك فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله فان قلتم المتعة محرمة فنقول هذا أول البحث فلم قلتم ان الأمر كذلك فظهر ان هذا الكلام رخو اه. كما ظهر كذب قوله: المتعة سفاح ماء في غير حرث فان السفاح هو الزنا و المتعة إذا كانت حلالا فمن يسميها سفاحا مفتر على الله و رسوله.
و هي قد تكون في حرث يقصد به النسل و قد لا تكون كذلك كالنكاح الدائم للولود و العاقر و كذب قوله هي اتخاذ خدن في كلا الطرفين فالمراد بالأخدان كما عرفت الأصدقاء في السر لأجل الزنا و المتعة نكاح بسنة الله و رسوله فجعلها زنا رد على الله و رسوله و ادعاء انها حرام بنص القرآن الكريم افتراء على القرآن الكريم: (و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون).