أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٥
محاولة للإصلاح، خروجا على الدين، و جريمة لا تغتفر بل كفرا". «١»
و قد وصف الشيخ موسى سبيتي العقلية السائدة الجامدة آنذاك، بقوله:
" كانت عند رجال الدين و الأدب عقلية صلبة قاسية تحيا في دائرة ضيقة لا تحاول الخروج منها. بل يعدون الخروج من تلك الدائرة شذوذا و تمردا و كفرا" «٢»
كما أدرك السيد الأمين، بذاته، صعوبة استئصال العادة الشعبية، سيما إذا كانت" ملبسة بلباس الدين" على حد قوله. «٣»
و لكنه اعتبر أن" الخرافة" لا تبررها شعبيتها، و لا يسوغها في الشرع، انتشارها الواسع بين العوام لأنه، حسب تعبيره" عادات الطغام من العوام لا تكون دليلا للأحكام". «٤»
ينسب السيد الأمين" الخرافة" و" البدعة" إلى" إبليس و أعوانه" كما يظهر في بعض كلامه. (انظر مثلا البدع و المنكرات التي رأى إبليس و أعوانه إدخالها على شعائر الحزن على سيد الشهداء) «٥» و هو يسميها" منكرات" .. «٦»
لذلك فان محاربتها تندرج، في جهده الاصلاحي، تحت عنوان" النهي عن المنكر".
و لا يفوته، في تاليفه الكثيرة، أن يذكرها، تارة بالعرض و الإشارة و تارة أخرى بالتعليل و التفسير، دون أن تشكل ملاحظاته المتفرقة، في هذا الموضوع، و الموزعة على أكثر من كتاب، أساسا" لنظرية" في التعامل مع" الخرافة الشعبية"، بل لتبقى على شكل مجموعة من الآراء المتفرقة في هذا الموضوع.
يبدي السيد الأمين، مبكرا، ملاحظاته حول بعض العادات و الخرافات الشعبية، فهو يذكر، مثلا، أثناء تلقيه العلم في عيتا الزط (من جبل عامل) هذه الحادثة:" وقع في بعض السنين ثلج، و ليس عند الطلاب حطب، و قريب من القرية شجرة قديمة عادية يحترمها أهل القرية، و يتحرجون من قطع غصن منها، خوفا من المجازفة في الدنيا. و أمثال ذلك في جبل عامل و غيرها كثير. فذهب التلاميذ و جعلوا يربطون فروع تلك الشجرة بالحبال، فتنكسر و تسقط فيجرونها إلى أماكنهم للوقود. و أهل القرية يستنكرون ذلك و يخافون على التلاميذ عاقبة ذلك و ينهونهم فلا ينتهون. و في الصباح جاءوا ينظرون إليهم هل ماتوا من عاقبة هذا العمل، فوجدوهم أحياء، و لم يمت منهم أحد، و بطل ما كانوا يظنون". «٧»
كما يروي حادثة عن رجل من الطلبة كان معهم في" عيتا الزط" يتعاطى كتابة الحجب و الهياكل، و عنده كتاب مطبوع في مصر اسمه شمس المعارف الكبرى لرجل مغربي و فيه الأعاجيب «٨» و يورد أنه" جاء مرة إلى عيتا رجل أعجمي كان قد تعاطى طلب العلم و لم يتقنه .. و قال يوما إن كلمات إذا تليت على الحديد لم يتألم به الجسم و هي (سين أول دان بحرور بسرور بكأس كال كاي) و تلاها على إبرة و أدخلها في داخل شدقه و أبقاها مدة و أخرجها من خارجة و لم يخرج منه دم، و فعل ذلك مرارا و فعل ذلك بعض الطلبة فكان كذلك. و الحقيقة أن ذلك الموضع ليس فيه عروق، فإذا شكت فيه إبرة لم يخرج منه دم لا لخاصية في هذه الكلمات .. و فطن لذلك بعض الطلاب ففعلوا بدون الورد". «٩»
و هو، بعد أن يورد جملة من المعتقدات، يضيف معلقا:" و أمثال هذه المخرقات كثيرة رائجة بين الناس". «١٠»
و الواقع أن السيد محسن الأمين، كان ناقدا و راصدا اجتماعيا للعادات العاملية، في كتابه القيم" خطط جبل عامل" فقد أفرد، في هذا الكتاب بابا خاصا للعادات العاملية (من ص ١١٨ إلى ص ١٢١) ذكر فيه جملة من معتقداتهم و عاداتهم الاجتماعية و الدينية، حيث تمتزج الخرافة بالايمان الديني، بالخبرة الشعبية.
فهو يذكر، مثلا، أنهم" يتشاءمون من آخر أربعاء في صفر، فيخرجون فيها إلى البرية. و يقولون آخر أربعاء في صفر نحس مستمر .. و يكشفون رؤوسهم تحت ماء نيسان و يتلقونه بالأواني و يتبركون به .. و منها أن من تحكه يده يتفاءل بأنه سيقبض دراهم، و من ترف عينه اليمنى يلاقي من يحب، و من ترف عينه اليسرى يحزن .. و منها أن الهرة إذا جعلت تخمش شيئا باظافرها فهي علامة على ورود ضيف و كذلك إذا فركت وجهها بيدها .. و منها أن الهرة إذا عطست تشاءموا بعطستها و زعموا أنها تدعو على أطفالهم .. فيضربونها على وجهها و يقولون نقص في عمرك .. و منها أن الضباب في الشتاء علامة المطر، و يسمونه أبو صوي، فيقولون أبو صوي وراءه موي .. و منها أن من به الثاليل و الحرارة يعمد إلى سلحفات و يلقيها على ظهرها بين حجرين حتى تموت. و هذا من تسويل الشيطان، و هو محرم، لأنه تعذيب للحيوان". «١١»
و لكنه لا يكتفي بنقده للعادات العاملية أثناء إقامته في جبل عامل، بل كان نقادا للعادات الشعبية التي يصادفها أثناء رحلاته الكثيرة.
ها هو، على سبيل المثال، يعلق بقوله:" .. و هكذا يكون الجمود"، على بعض المعتقدات في الكوفة، إثر حادثة جيء فيها" بسمن على ورقة مطبوعة باللاتيني فامتنع بعض الرفاق من الأكل مما طبخ بذلك السمن، فقلت له كيف نأكل السكر و لا نأكل هذا، فقال ذلك لم تره عيني، و هذا رأيته. ثم أخرج من القدر شيئا من اللحم و غسله و أكله .. و هكذا يكون الجمود". «١٢»
- كما يذكر، في رحلته العراقية- الإيرانية، عن مسجد الكوفة أن له" ماذنة عالية، و في وسطه عمود من رخام الظاهر أنه كان شاخصا لمعرفة الزوال و أوقات الصلاة و للعوام فيه خرافات كعادتهم في أمثال ذلك، منها أن من لم يقدر أن يحيطه بباعه بحيث تصل إحدى يديه إلى الأخرى، فهو ليس لأبيه،