أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٠
وقته، و ذلك عبر عرض موقفه من الوهابية كحركة إسلامية فكرية و سياسية معا، و دوره في العمل الوطني كما نظر إليه و مارسه عمليا، من خلال مواقفه من الانتداب الفرنسي، و نظرته إلى العالم العربي و الإسلامي، و علاقته المميزة بالملك فيصل عند ما كان يقارع الفرنسيين في سوريا، فضلا عن علاقته كمرشد روحي و فكري بالكتلة الوطنية التي نشات في سوريا بعد تسلط الفرنسيين عليها و كانت كبرى الحركات الوطنية الكثيرة التي نشات آنذاك لمناهضة الاحتلال الأجنبي، و التصدي لأساليبه المستعملة في التنكيل بالوطنيين، و سوقهم إلى المنافي و السجون ...
الخصوصية الشيعية في الإصلاح الإسلامي
يلاحظ الباحث أنه تم التركيز، في الدراسات التي تناولت المصلحين المسلمين حتى الآن، على الحركات الاصلاحية السنية و على المصلحين السنة أمثال محمد عبده و خير الدين التونسي و سواهما. «١»
و إهمال الوجه الشيعي في هذه الدراسات يعود في تصورنا إلى سببين:
الأول: إن معظم واضعي هذه الدراسات هم من السنة، و قد اتصف بعضهم بالتحامل الشديد على الشيعة، و دخلوا معهم في الكثير من السجالات المذهبية العنيفة. نذكر على سبيل المثال سلسلة الردود و النقود التي جرت بين السيد محسن الأمين و كل من الكاتب المصري المعروف أحمد أمين صاحب فجر الإسلام و ضحى الإسلام و ظهر الإسلام ... و الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار.
الثاني: إن المفهوم الاصلاحي عند الشيعة، كان على امتداد التاريخ الإسلامي، مفهوما عمليا تطبيقيا، و تجلى في حركات تغييرية مباشرة على أرض المجتمع، أكثر مما تجلى في أبحاث نظرية و فقهية مجردة، كما هو الحال عند معظم الاصلاحيين السنة.
و قد أشار إلى ذلك، الشهيد المطهري بقوله:" تختلف الحركات الاصلاحية الشيعية عن الحركات الاصلاحية السنية بان لها خصائص و وضعية أخرى. ففي المحيط الشيعي قل ما يقتصر الكلام عن الإصلاح أو النظريات الاصلاحية و قل ما بحثت مواضيع حول ما العمل .. و لكن مع كل ذلك ظهرت لدى الشيعة حركات إصلاحية خصوصا حركات مضادة للدكتاتورية و الاستعمار و بصورة أكثر و أعمق جذرية". «٢»
و قد يكون السبب في ذلك عائدا إلى أن جهاز رجال الدين، لدى السنة، كان تاريخيا، جهازا يمسك بقدر كثير أو قليل من السلطة. و قد أمسك بهذه السلطة من خلال منصب رسمي أعطي للافتاء أو مشيخة الإسلام. في حين" تلاحظ استقلالية رجال الدين الشيعة عن الجهاز الحكومي" «٣»
و تشكيلهم" قاعدة مستقلة عن السلطة و الحكم" «٤» كانت في الكثر من الأحيان عينا مراقبة و محاسبة للحاكم، و في عامة الأحوال في موقع معارض للسلطة السائدة. إن الخصوصية السنية في إنتاج فكر إصلاحي يتعاطى السياسة، و يهتم بالتنظير لمسائل مثل مسألة الخلافة و السلطان، و الشورى، و أهل الحل و الربط .. إلى آخره .. قابلتها خصوصية شيعية لاصلاح عملي لم يعر كثير اهتمام للنظرية في الإصلاح، بمقدار ما التحم عمليا و ميدانيا في حركات إصلاحية تغييرية مهمة، على أرضية المجتمع.
نذكر منها:" حركة التنباك في ايران، التي قامت ضد الاستعمار البريطاني بقيادة السيد الشيرازي و انتهت إلى إلغاء امتياز التنباك في إيران، و أنهت الديكتاتورية الداخلية و الاستعمار الخارجي فيها. كذلك ثورة العشرين في العراق ضد الوصاية البريطانية و انتهت إلى استقلال العراق. و ثورة الدستور ضد ديكتاتورية الحكام الايرانيين، و انتهت إلى نظام ملكي دستوري أو نهضة كالنهضة الإسلامية الأخيرة في إيران بقيادة علماء الدين". «٥»
و الواقع أن دور علماء الدين في الحركات الاصلاحية الشيعية، يختلف عن دور علماء الدين في الحركات الاصلاحية السنية، فعلماء الدين الشيعة هم الذين يقودون الثورة و ينخرطون فيها أكثر مما ينظرون لها النظريات. و ربما يعود ذلك إلى سبب عقيدي و هو إيمانهم بان النظرية موجودة أصلا في مفهوم الامامة، و أن العلماء بالتالي هم ورثة الأنبياء، أو وكلاء الامام في الإصلاح و تطبيق الشريعة .. لذلك فقد ارتبطت جميع الحركات الثورية الشيعية، بأسماء علماء دين قياديين بارزين.
فحركة التنباك المشار إليها آنفا في إيران، كان على رأسها السيد حسن الشيرازي، و ثورة العشرين في العراق، كان على رأسها السيد محمد تقي الشيرازي، و ثورة الدستور في إيران عام ١٩٠٥ كانت بقيادة الآخوند محمد كاظم الخراساني و الشيخ عبد الله المازندراني من مراجع الدين في النجف ... كذلك" انتفاضة تبريز و انتفاضة مشهد حيث قام السيد حسين القمي بدور كبير في قيادة الانتفاضة". «٦»
و هكذا فان العلماء الشيعة عموما، و الايرانيين خصوصا" احتفظوا بمستوى مرتفع من التأثير و التوجيه" «٧» و شكلوا جبهة" معارضة" لعلمانية الحكام، تفجر في وجههم ثورات متوالية .. كما أنهم ألفوا" جهاز مستقلا بحد ذاته، من الناحية المعنوية، يتكئ على قدرة الله، و من الناحية الاجتماعية يعتمد على قوة الناس". «٨»
لكن، بالرغم من هذه الفروقات في منهج الإصلاح الإسلامي و شكل تحققه في الواقع التاريخي، بين السنة و الشيعة، فقد قامت بينهما قواسم مشتركة نبعت من طبيعة التحدي الاستعماري الواحدة للإسلام، بكافة مذاهبه. فقد خضع الشيعة في إيران و العراق، لمثل ما خضع له السنة في الشام و الجزيرة العربية، من تحديات الغرب الاستعماري و دونما تمييز في المعاملة بين سني و شيعي. كما أن الردود على هذه التحديات الواحدة، و بالرغم من مجيئها مختلفة أحيانا على الصعيد السياسي النظري، إلا أنها تقاطعت على الصعيد الاجتماعي و العلمي و التربوي لا سيما عند بعض