أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٠٤
اليهود و النصارى تفعل ذلك في بيعها و كنائسها أو دعاء من نهى الله عن دعائه من الأصنام و الأوثان التي هي أحجار و أشجار لا تعقل و لا تسمع و لا تضر و لا تنفع و لا تسأل و لا تشفع كما كان يفعله المشركون في الكعبة أو دعاء الملائكة و الجن الذين كانوا يعبدونهم و يعتقدون أن لهم تأثيرا في الكون مع الله بأنفسهم أو يشفعون عنده اضطرارا بحيث لا يرد شفاعتهم أو نحو ذلك مما لم يجعله الله لهم و كذلك قوله (ص) الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة لا يراد به مطلق الدعاء بل دعاء خاص كما أريد بالآية الكريمة بل لا يبعد ان يراد بالدعاء فيه خصوص دعاء الله تعالى اي ان دعاء الله تعالى مخ عبادة الله تعالى و ذلك لاشتماله على نهاية الذل و الخضوع و العبادة أقصى نهاية الخضوع و الذل لأنها ماخوذة من قولهم طريق معبد أي مذلل فتكون الألف و اللام فيه نائبة عن الإضافة فهي عهدية لا جنسية. و آيات (و الذين تدعون من دون الله لا يستطيعون نصركم و لا أنفسهم ينصرون. ان الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) دالة على انهم كانوا يعتقدون انهم قادرون على نصرهم بأنفسهم لا بدعائهم و شفاعتهم و الا لم تكن الآيتان ردا عليهم و لكان لهم ان يقولوا انهم و ان لم يقدروا على نصرنا بأنفسهم فهم قادرون عليه بالتسبب بدعاء الله لنا الذي وعد اجابة الدعاء و نحن لم نطلب منهم غير ذلك و انهم و ان كانوا عبادا أمثالنا فهم قادرون على ان يشفعوا لنا عند الله الذي جعل لهم الشفاعة باذنه فيستأذنونه و يشفعون هذا ان كانوا من الأنبياء أو الصلحاء.
إذا عرفت ذلك ظهر لك ان من دعا نبيا أو وليا و استغاث به فلذلك لا يدخل في الدعاء المنهي عنه في الآية لأن هذا الدعاء و الاستغاثة لا يخرج عن طلبه منه ان يدعو الله له أو يشفع له عنده الذي هو في معنى الدعاء فمن طلب ذلك مع اعتقاد ان الأمر فيه لله ان شاء أجاب دعاءه و قبل شفاعته و ان شاء رد لا يدخل في النهي قطعا بعد ما عرفت ان المنهي عنه ليس مطلق الدعاء بل دعاء مخصوص مع ان طلب الدعاء و الشفاعة ممن جعل الله له ذلك لا يخرج عن دعاء الله تعالى و عبادته و تعظيم شانه و التوسل اليه بأنواع الوسائل و في ذلك مبالغة في التضرع اليه و الطلب منه الذي علم انه يحبه و يرضاه و انه مخ العبادة له (و المعية) في الآية ظاهرة في المساواة و من يدعو النبي (ص) ليدعو الله له و يشفع اليه في حاجته لم يدعه مع الله و لم يساوه به بل في الحقيقة دعا الله الذي امر بطلب الدعاء من الغير و جعل له الشفاعة و ليس المراد بالمعية مجرد المشاركة في الوجود و الا لحرم دعاء غير الله في المساجد أو مطلقا مع الله بان يقول يا الله اغفر لي و يا فلان اسقني ماء و حينئذ فقول يا محمد ادع لي الله أو اشفع لي عنده الذي هو في معنى ادعه لا يزيد عن قوله يا فلان اسقني ماء (و بعبارة اخرى) معنى مع الله ان يكون دعاؤه في عرض دعاء الله لا في طوله و الأصنام لو فرض ان دعاءها ليس كذلك فالله نهى عن دعائها بكل حال لأنها جماد و لأن دعاءها خلاف على الله و تكذيب للرسل و دعاء باقي المعبودات كعيسى و الملائكة و الجن هو مثل دعاء الله قطعا فعيسى (ع) اتخذ شريكا في الربوبية و الملائكة و الجن اعتقد ان لهم قدرة و تأثيرا مع الله كما مر.
أما قوله تعالى: (له دعوة الحق) الآية فمعناه و الله العالم ان المدعو بحق هو الله تعالى و ما يدعون من دونه من حجر أو شجر أو يعتقدون إلهيته كعيسى فيدعونه ليرزقهم و يدخلهم الجنة و يفعل معهم فعل الرب مع عبيده أو ملك أو جني يعتقدون ان له تأثيرا مع الله أو شفاعة اضطرارية أو غير مردودة أو نحو ذلك لا يستجيبون لهم أما الأحجار و الأشجار فلأنها جماد لا تقدر على شيء سواء كانت على صورة صالح أو لا لأن الدعاء و الشفاعة للصالحين لا لصورهم و اما من يدعي فيه الالهية أو التأثير مع الله من ملك أو جني فلأنه ليس إلها أو لا تأثير له و لا يبعد ان يكون المراد الأصنام خاصة و ان تكون واردة في مشركي قريش و لذلك شبه حالهم بباسط كفيه إلى الماء يطلب منه ان يبلغ فاه و الماء جماد لا يشعر ببسط كفيه و لا بعطشه و حاجته اليه و لا يقدر ان يجيب دعاءه و يبلغ فاه و كذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم و لا يستطيع اجابتهم و لا يقدر على نفعهم و اين ذلك من طلب الدعاء من الصالحين الذي أمر الله بطلب الدعاء منهم و دلت الآيات و الأخبار على حياتهم بعد الموت و قدرتهم على ذلك كما مر و ياتي و سؤال الشفاعة منهم التي جعلها الله لهم و أخبر انهم قادرون عليها و بذلك ظهر جليا ان قياس دعاء الصالحين على دعاء الأصنام و الأوثان و عيسى و مريم و غير ذلك قياس باطل و توهم فاسد.
إذا عرفت هذا فلنعد إلى الجواب عن كلماتهم السابقة كل منها على حدته (اما [قوله] قول ابن تيمية) بشرك من يسال النبي أو الصالح إزالة مرضه أو قضاء دينه أو نحو ذلك و لزوم قتله ان لم يتب ففاسد لما عرفت من عدم جواز التهجم على تكفير المسلم و استحلال دمه بغير اليقين و وجوب حمل قوله و فعله على الصحيح مهما أمكن و لا يقين هنا لوجود المحمل الصحيح و هو إرادة الاسناد إلى السبب بالدعاء و الشفاعة و ان مثل ذلك وارد في كلام العرب و القرآن الكريم (و اما) روايته ان ودا و سواعا إلخ أسماء قوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم إلى ان اتخذوا تماثيلهم أصناما فهو حجة عليه لا له فان موجب تكفيرهم اتخاذ تماثيلهم أصناما لا التبرك بقبورهم (قوله) و كان العكوف على القبور و التمسح بها و تقبيلها و الدعاء عندها هو أصل الشرك و عبادة الأوثان. يأبى الخذلان الذي أصاب ابن تيمية الا ان يسمي المداومة على زيارة قبور الأنبياء و الصلحاء بالعكوف تنظيرا له بالعكوف على الأصنام و ستعرف في فصل الزيارة ان استحباب زيارة قبر النبي (ص) و قبور سائر الأنبياء و الصلحاء و دعائه تعالى عندها من ضروريات دين الإسلام و إذا ثبت استحباب ذلك ثبت استحباب الإكثار منه فإنه لا سرف في الخير كما لا خير في السرف فسواء سماه ابن تيمية عكوفا أو غيره لا يضر الا نفسه اما جعله ذلك أصل الشرك و عبادة الأوثان (فان أراد به) انه سبب تام في ذلك ففساده ظاهر لما نشاهده من تعظيم المسلمين قبور الأنبياء و الصالحين و تبركهم بها اجيالا عديدة و مع ذلك لم يتخذوا صورهم و تماثيلهم أصناما.
و ان كان يقول ان هذا التعظيم و التبرك عبادة للقبور كما تقول الوهابية فقد رجع عن قوله انه أصل الشرك و عبادة الأوثان و سببه (و ان أراد) انه قد يؤدي إلى عبادة الأوثان و الشرك كما أدى في قوم نوح الذين اتخذوا صور الصالحين أوثانا بعد ما عظموا قبورهم و تبركوا بها فهذا لا يوجب تحريمه كما انه إذا أدى ظهور المعجزة أو الكرامة على يد نبي أو صالح إلى اتخاذه إلها لا يكون [اظهراهما] إظهارهما محرما بعد وجود الأدلة من العقل و النقل على عدم إلهيته القاطعة للعذر (و ان أراد) بكونه أصل الشرك انه نفسه شرك و عبادة للأوثان كما تقوله الوهابية فقد علم فساده بما أقمناه من البراهين على انه ليس كذلك و بوجود