أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٤٤
و تفنن عماله هذه السنة في الاستفادة من اموال الحجاج فدخل عليه بذلك اموال عظيمة تعد بالملايين من الليرات و مما يذكر في هذه السنة ان الوقوف بعرفات كان واحدا و ذلك بتدبير من السلطان ابن سعود تفاديا من تعدد الوقوف الذي كان يحصل في بعض السنين في عهد الدولة العثمانية و لا يقبله الوهابية و يعدونه بدعة كتعدد أئمة الصلاة من المذاهب الأربعة.
التاريخ يعيد نفسه
و قد جرى على الملك حسين من طرده من مقر ملكه إلى جدة ثم إلى العقبة ثم نفي الإنكليز له إلى جزيرة قبرص نظير ما جرى على سلفه الشريف غالب من خروجه من مكة و محاصرته في جدة و نفيه إلى مصر. ثم إلى سلانيك كما مر و جرى على الطائف و اهله في هذا العصر نظير ما جرى عليهم في ذلك العصر و فعل الوهابيون في الحجاز في هذا العصر من هدمهم القباب و الضرائح و محوهم آثار سادات الإسلام و منعهم الحرية المذهبية للمسلمين و إغاراتهم على بلاد المسلمين في العراق و سوريا نظير ما فعلوه في ذلك العصر فان التاريخ كما يقولون يعيد نفسه.
هجوم الوهابيين على العراق
و قد تكرر هجوم الوهابيين على أطراف العراق سنة ١٣٤٥- ١٣٤٦ بقيادة فيصل الدويش يقتلون و ينهبون و كان نتيجة ذلك ان اشتكى العراقيون إلى الحكومة الإنكليزية و قالوا لها إما ان تردعهم أو تترك العراقيين و إياهم ليدفعوا عن أنفسهم فخابرت معتمدها في البحرين ليخابر السلطان ابن سعود فكان جوابه انه لا علم له بما جرى و سيسال فيصل الدويش عن ذلك و ما زال فيصل الدويش يشن الغارات على اعراب العراق المجاورة لنجد فينهب مواشيهم و يقتل فيهم و قد قرأنا اليوم في الجرائد خبر هجومه عليهم و نهبه و قتله لهم و مطاردة الطيارات البريطانية و الجند العراقي لجنوده و ان السلطان ابن سعود أرسل لحكومة العراق يحذرها منه و يقول انه خارج عن طاعته و غير قادر على ردعه «١»
هدم الوهابيين القباب و المزارات بالحجاز
لما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوا في المرة الأولى و لما دخلوا مكة المكرمة هدموا قباب عبد المطلب جد النبي (ص) و أبي طالب عمه و خديجة أم المؤمنين و خربوا مولد النبي (ص) و مولد فاطمة الزهراء (ع) و لما دخلوا جدة هدموا قبة حواء و خربوا قبرها كما خربوا قبور من ذكر أيضا و هدموا جميع ما بمكة و نواحيها و الطائف و نواحيها و جدة و نواحيها من القباب و المزارات و الأمكنة التي يتبرك بها و لما حاصروا المدينة المنورة هدموا مسجد حمزة و مزاره لأنهما خارج المدينة و شاع انهم ضربوا بالرصاص على قبة النبي (ص) و لكنهم أنكروا ذلك و لما بلغ ذلك مسامع الدولة الإيرانية اهتمت له غاية الاهتمام و اجتمع العلماء و اكبروا ذلك و جاءتنا إلى دمشق برقية من خراسان من أحد أعاظم علماء المشهد المقدس بالاستعلام عن حقيقة الحال ثم قررت الدولة الإيرانية بموافقة العلماء إرسال وفد رسمي إلى الحجاز لاستطلاع حقيقة الحال فرفع الوفد إلى دولته تقريرا بما شاهده في الحجاز من اعمال الوهابيين و لما استولوا على المدينة المنورة خرج قاضي قضاتهم الشيخ عبد الله بن بليهد من مكة إلى المدينة في شهر رمضان سنة ١٣٤٤ و وجه إلى أهل المدينة سؤالا يسألهم فيه عن هدم القباب و المزارات فسكت كثير منهم خوفا و اجابه بعضهم بلزوم الهدم و سياتي ذكر السؤال و الجواب" إن شاء الله" في فصل البناء على القبور.
و انما أراد بهذا السؤال تسكين النفوس لا الاستفتاء الحقيقي فان الوهابيين لا يتوقفون في وجوب هدم جميع القباب و الأضرحة حتى قبة النبي (ص) بل هو قاعدة مذهبهم و أساسه و بعد صدور هذا السؤال و الجواب هدموا جميع ما بالمدينة و نواحيها من القباب و الأضرحة و المزارات فهدموا قبة أئمة أهل البيت بالبقيع و معهم العباس عم النبي (ص) و جدرانها و أزالوا الصندوق و القفص الموضوعين على قبورهم و صرفوا على ذلك ألف ريال مجيدي و لم يتركوا غير أحجار موضوعة على تلك القبور كالعلامة و هدموا قباب عبد الله و آمنة أبوي النبي (ص) و أزواجه و عثمان بن عفان و إسماعيل بن جعفر الصادق و مالك إمام دار الهجرة و غير ذلك مما يطول باستيفائه الكلام و بالجملة هدموا جميع ما بالمدينة و نواحيها و ينبع و غيرها من القباب و المزارات و الأضرحة و كانوا قبل ذلك هدموا قبة حمزة عم النبي (ص) و شهداء أحد كما مر حتى أصبح مشهد حمزة و الشهداء و الجامع الذي بجانبه و تلك الأبنية كلها أثرا بعد عين و لا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم الا قبرا في برية على رأس تل من التراب و تريثوا خوفا من عاقبة الأمر عن هدم قبة النبي (ص) و ضريحه التي حالها عندهم كحال غيرها أو أشد لشدة تعلق المسلمين بذلك و تعظيمهم له و أدلتهم الاتية و فتواهم لا تستثني قبة نبي و لا غيره و ما اعلنه سلطانهم في الجرائد من انه يحترم قبة النبي (ص) و ضريحه يخالف معتقداتهم جزما و لا يراد منه الا تسكين الخواطر و منع قيام العالم الإسلامي ضدهم و لو امنوا ذلك ما توقفوا عن هدمها و إلحاقها بغيرها بل كانوا بدأوا بها قبل غيرها و في بعض اعتذاراتهم أنها قبة المسجد لا قبة النبي (ص) و منعوا الزوار من الدنو إلى قبر النبي (ص) و قبور أهل البيت (ع) و لمسها و تقبيلها و أقاموا حرسا بأيديهم الخيزران يمنعون الناس من ذلك الا إذا قبضوا بعض الدراهم و كان لا يراهم أحد فيشيرون إلى الزائر بالدنو من ضريح النبي (ص) و لمسه و تقبيله و الرجوع بسرعة و لما شاع في الأقطار الإسلامية ما فعلوه في الحجاز بقبور أئمة المسلمين و مشاهدهم أكبر المسلمون ذلك و اعظموه سيما ما فعلوه بقبة أئمة البقيع و جاءت برقيات الاحتجاج على ذلك من العراق و ايران و غيرها و عطلت الدروس و الجامعات و أقيمت شعائر الحزن في هذه البلدان احتجاجا على هذا الأمر الفظيع و كانت الدولة الإيرانية قررت إرسال معتمدها لحضور المؤتمر الإسلامي الذي عقده السلطان ابن سعود في مكة المكرمة و دعا إلى