أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٢
وجوه الخير" «١» و أنه كان" يباشر بيده تهيئة طعامه، غير حافل برفاهية ماكل أو مشرب، و لا ملتفت إلى زينة في شارة أو كسوة .. و كذلك شان العظماء ينكرون ما أسماه" نيتشة" فلسفة الخياطين" فلا يؤمنون أن الثوب يخلق الراهب". «٢»
و قد كان بسيطا و عميقا، في مظهره، و جوهره، يكاد، في هاتين الصفتين، يستحضر صورة السيد جمال الدين الأفغاني في بعض مواقفه المأثورة مع الملوك و السلاطين. فقد عاتبه مرة شاه إيران السابق رضا بهلوي عند ما التقى به في إيران، على قلة عنايته بمظهر ثوبه، فقال له:" نحن ننظف قلوبنا، و أنتم تنظفون أثوابكم". «٣»
و كان جلودا على البحث و التنقيب، جلد العلماء التاريخيين الأفذاذ الذين بذلوا أنفسهم لطلب العلم. فقد" طاف زوايا خزائن الكتب الخاصة و العامة في الشام و العراق و فارس و خراسان يجمع مادة التاريخ الأصلية، في نقل تراجم كتابه (أعيان الشيعة)" «٤» هذا الكتاب الذي وضعه في مصاف أكابر الرجاليين كابن عبد البر و ابن حجر العسقلاني و ابن سعد و الخطيب البغدادي و ابن عساكر و ياقوت الحموي و ابن خلكان و الصفدي. و قد سلخ في سبيل هذا العمل وحده، فوق الثلاثين عاما في التعقب و المراجعة". «٥»
كانت هذه الخلقية العالية للسيد محسن الأمين، دليله العملي في تعامله مع الناس. لقد وقف معهم، بكل مهابته، على أرض واقعهم المرير، كما قلنا. و ليس أشد مرارة من واقع العامليين كما شربوه قطرة قطرة، سوى طمس هذا الواقع، أو تكريسه و تثبيته. يروي السيد الأمين في كتاب .." سيرته بقلمه و أقلام آخرين" «٦» وصفا دقيقا للشقاء الشامل الذي كان يعاني منه العامليون في الحرب العامة الأولى، حيث يقول:" وقع الوباء في جبل عامل المسمى بالهواء الأصفر (الكوليرا) حتى أنه مات في يوم واحد في قريتنا شقرا، و هي قرية صغيرة، اثنا عشر نفسا. و كان الوقت صيفا، و دخل في أثناء ذلك شهر رمضان و امتنع الناس من تغسيل أمواتهم و دفنهم حتى الأخ من تغسيل أخيه و حمله إلى قبره و دفنه خوفا من العدوي و زاد في الطين بلة أن (الجندرمة) كانت تجول في القرى تطلب الفارين من الخدمة العسكرية، فأغلق الناس بيوتهم و أقفلوها و اختبئوا فيها فوظفت لتغسيل الرجال رجلا فقيرا يسمى علي زين و لتغسيل النساء امرأة تسمى عمشا بنت الديب. فكان كلما توفي واحد يغسله علي الزين أو عمشا، و نذهب إلى البيوت ندق عليهم الأبواب و نقول لهم اخرجوا و لا تخافوا من الجندرمة فانا معكم، فيخرجون و يحملون الجنازة و أنا خلفهم و مع ذلك إذا وصلوا إلى منعطف يتسلل بعضهم فلا أزال معهم حتى نصلي على الجنازة و ندفنها، و نعود إلى البيت. فما نكاد نصل حتى يأتينا خبر جنازة أخرى، فنذهب إلى أن ندفنها و هكذا طول النهار.
أما أنا فخرجت من البيت، و بنيت خيمة بالقرب منه، تحت شجرة زيتون، فكان أهل القرية ياتي أحدهم فيقف وراء الحائط و يخبرني أن عنده مريضا بهذا المرض، فأقول له اسقه الشاي. لو لا قيامي بدفن الأموات لدفنوا بغير غسل و لا كفن، و أهيل عليهم التراب أو أكلتهم الجرذان و الكلاب".
لقد لعب الرجل، في تلك القرى العاملية، دور الطبيب و الكاتب و المعلم و المرشد، و القاضي و فاتح السماء للمستجيرين بها كذلك (انظر خبر صلاة الاستسقاء التي استمطر بها السيد المطر في سهل الخان قرب تبنين، بعد انقطاعه عن الناس و قحطهم .. و قد نزل المطر، بعد الصلاة، بفضل من" العناية الربانية و الألطاف الالهية". «٧» إن هذه السيرة، جعلت من السيد الأمين ضميرا شعبيا حقيقيا، كما خولته الإمساك بما نستطيع أن نسميه" سلطة الايمان الديني" و قد تكرس موقعه المميز في الضمير الشعبي، في ظاهرة تشييعه. هذه الظاهرة التي ينبغي التوقف عند دلالتها. فقد مشى وراء نعشه" سيل بشري دافق" «٨»
" في حداء حزين" «٩» على حد تعبير الصحف التي وصفت مشاهد التشييع آنذاك. كما بقي" صدى وفاته يدوي في أنحاء العالم الإسلامي من أندونيسيا إلى الهند و الباكستان و أفغانستان و إيران إلى أقصى البلاد العربية و المهاجر الأمريكية و الافريقية". «١٠»
و بالإمكان اختصار دلالة هذا التشييع الشعبي الكبير له، بهذه الجملة:
" لقد تجلى في موت الأمين معنى حياته".
أما سلطة الايمان به، فقد تجلت بتقليده" كمجتهد أكبر" من قبل عدد كبير من المسلمين الشيعة الذين اتخذوا رسالته المعروفة" الدر الثمين" دليل عمل و عبادة، و معرفة بأصول الدين الإسلامي.
ب- النص:
تصعب الاحاطة بنص السيد محسن الأمين، دون الإشارة إلى بعض مفارقات هذا النص، الذي يتسم، في عموميته، بالتنوع و الإفاضة و التداخل.
فقد كتب الرجل في شتى المواضيع، بغزارة يندر أن يتسنى مثلها لمؤلف آخر، و إن مسرد مؤلفاته و مصنفاته التي أوردها هو بذاته، من خلال كتابته لسيرته الشخصية يشمل ما يقارب خمسة و سبعين مؤلفا و مصنفا، تبلغ أجزاء بعضها مائة مجلد كبير أحيانا، ككتاب أعيان الشيعة، فضلا عن الردود