أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢١
و وقعه الثاني بتوقيع (أبو فراس) .. كما كتب بعض الشعر فيها، و من ذلك قصيدة للشيخ مهدي الحجار يقول فيها:
يا حر رأيك لا تحفل بمنتقد إن الحقيقة لا تخفى على أحد
و تراكم حولها النسيج الاعلامي و الشعبي حتى أخذت دورا عظيما. و من الطريف حقا إيراد التسمية الشعبية التي أطلقت على أنصار السيد محسن الأمين في هذه المعركة، و هي تسمية" الأمويين" «١» كما أطلق على خصومه تسمية" العلويين" و التسمية الأولى من هاتين التسميتين (الأمويون) تنم عن رغبة إغراق الخصم و وصمه بلقب ينفر منه الشيعة و يستحضرون من خلاله وجها مظلما من وجوه الاضطهاد، على يد بني أمية.
كيف واجه السيد محسن الأمين هذه الموجة العارمة من الرفض و الخصومة لرسالته؟.
إن أول ما يسجل للرجل، في هذا المجال، هو جرأته و صلابته في التصدي و المواجهة. فمن مظاهر هذه الجرأة، مثلا، اختراقه لسد الكراهية المشاعة ضده في النجف، و قيامه بزيارة إلى هناك، يورد تفاصيلها صاحب جريدة الهاتف حيث يقول:" بولغ في إكرامه و الحفاوة به، و كثرت الولائم و الدعوات التي أقيمت له .. و لم يخرج من النجف حتى سقط اسم" العلويين و الأمويين" من الأفواه، فلم يعد أحد يقسم الناس إلى قسمين" و ذلك أنه حسب تعبير (الخليلي) عنه" كانت له جاذبيته و سحره". كما أنه.
حين طلب منه بعض محبيه سحب أعداد رسالة التنزيه من الأسواق خوفا عليه من الأذى، أجاب بان زاد أعدادها، و ضاعف الكميات المطروحة.
و الواقع أن السيد الأمين عريق في مجابهة (الجمهور) في ما يعتقده خرافة أو خطا أو انحرافا في الدين أو في الشعائر. فهو لا يدخر وسعا في انتقاد العادات العاشورائية، ليس فقط في دمشق و في جبل عامل، بل في كل بلد يزوره، أو قطر يمر فيه و إن عرضا .. فهو ينتقد مثلا، في رحلته العراقية الإيرانية، و أثناء مروره بمصر،" إقامة عزاء سيد الشهداء في أيام عاشوراء، تحت باب" تكايا الايرانيين في مصر و إقامة عزاء الحسين" (ع) «٢» و يذكر" أن الله وفق .. لوجود شخص من فضلاء سادات آل المرتضى في دمشق قد ألم ببعض طريقتنا التي نتوخاها منذ سنين، فصار يذهب إلى مصر في العاشوراء بطلب من أهلها و يظهر بقراءته محاسن إقامة العزاء على ذلك الطرز".»
كما كان في رحلاته، نقادا لعادات العوام، أو العادات الشعبية، كنقده لعادات ضرب الطبول أمام الجنائز في النجف، و اعتبارها" منكرات" على حد تعبيره. «٤»
و قد سجل عنه معايشوه هذه الظاهرة، فكتب عنه صديقه و تلميذه محمد علي صندوق في مقدمة" المجالس السنية" أنه كان" يصادم الجماهير بغير ما تعتقد و يواجه الجموع بغير ما ترى". «٥» و الواقع أن السيد محسن الأمين، في عمله الصدامي ذاك، كان مزودا بعدة فقهية قوية، هي حجته في الرأي و العمل. هذه الحجة، قرع بها الجمهور قرعا عنيفا، و أطلق عليه ألقابا و تسميات تنم عن استهانته به، فتارة يسميه" العوام" و تارة يسميه" الطغام" «٦»
أو السواد «٧». و إن أبلغ جملة تختصر موقفه (الفقهي- الاجتماعي) في هذا الموضوع، هو قوله:" الأسماء لا تغير حقائق الأشياء، و عادات الطغام من العوام لا تكون دليلا للأحكام". «٨»
ثالثا- إصلاح المدارس الدينية:
لقد اعتبر السيد محسن الأمين، ترك العمل، من" الآفات المهلكة للعلم" فان تطبيقه العملي لنظريته في" العلم"، جاء في جهده التعليمي المتنوع.
الذي مارسه طيلة حياته.
فقد قضى الرجل حياته (متعلما- معلما)- و هذه السمة، هي واحدة من أهم سماته التي قربت بينه و بين إصلاحي آخر، هو الشيخ محمد عبده، الذي كان يبدي إعجابه به في مجالسه العامة، «٩» و يتشابه معه في بعض مناحي إصلاح التعليم الديني في المدارس المكرسة له: خصوصا في الأزهر و النجف. و قد وصف أحمد أمين الشيخ محمد عبده، بدوره، بأنه كان" عالما و معلما". «١٠»
ففضلا عن أن الرجل، كان لديه، في منزله في دمشق، شكل من المدرسة (تختلف عن المدرسة النظامية التي أنشاها)- و قد اتسمت هذه المدرسة، أو الحلقة بشيء من الانضباط، و انعقدت بشكل حلقة يومية يحضرها التاجر و السياسي و المثقف و الطبيب و عامة الناس .. و يلقي فيها السيد دروسا في الثقافة الدينية و اللغة العربية بفروعها، و الصرف و النحو و النقد الأدبي و الأصول و الفقه .. إلى آخره «١١» و فضلا عن أنه كان يعقد في منزله كذلك، حلقة أسبوعية، كانت تسمى" حلقة الأربعاء" «١٢» على شكل" صالون أدبي" تقرأ فيه الأشعار، و تدار شتى الأحاديث الأدبية و الاجتماعية على اختلاف نواحيها .. و فضلا عن إنشائه للجمعيات كجمعية الاهتمام بتعليم الفقراء و الأيتام .. و جمعية الإحسان، و جمعية المواساة .. «١٣» نقول، بالرغم من كل ذلك، فقد اهتم السيد الأمين بإصلاح المدارس الدينية، اهتماما أساسيا، كما اهتم بإصلاح النجف الأشرف، و أنشا المدرسة العلوية في دمشق (التي سميت فيما بعد المدرسة المحسنية)، كما أنشا مدرسة للبنات، في دمشق أيضا، سميت المدرسة اليوسفية. «١٤»