أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٩١
خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. و المعنى أن القرون الثلاثة خير من القرون السابقة على الإسلام و لا تفاضل بين القرون الثلاثة إذ ثبت أمتي كالمطر لا يدري أولها خير أم آخرها أريد التفاصيل بين القرون الثلاثة فمعنى لا يدري أولها خير أم آخرها في سعة الأرزاق و اتساع البلاد و الدولة.
و نقول (أما العداء للعصر الأول) فالذي بيننا و بينك ليس العداء للأعصار و لا للأشخاص انا متفقون معكم في كل شيء جاءت به شريعة الإسلام إلا في الإمامة لمن هي و من هو الأحق بها بعد النبي (ص) و في صفات الباري تعالى و رؤيته و نحو ذلك. و هذه تكون القناعة فيها بالحجة و البرهان لا بهذه التهويلات التي لا تغني فتيلا.
و أما ان أوائل عصور الأديان مقدسة محترمة باعتقاد اتباعها. فيرده انه لو سلم اعتقاد اتباعها ذلك لا يدل على انها مقدسة واقعا بل هم ان اعتقدوا ذلك فهم مخطئون في اعتقادهم لأن الوجدان على خلافه. فادم ع كان له ابنان قتل أحدهما الآخر ظلما فإذا كان هذا و بنو آدم في الدنيا اثنان فقط فما ظنك بهم و قد صاروا فيها ألوفا و ملايين و مليارات. و نوح ع من اولي العزم لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم و هم يكذبونه و يسخرون منه، و هو يبني السفينة و يقولون له صرت بعد النبوة نجارا فاهلكهم الطوفان و أهلك جميع من على وجه الأرض من إنسان و حيوان إلا من حملتهم السفينة. و إبراهيم ع من اولي العزم عاصره النمرود و ادعى الربوبية و رام إحراقه بالنار فنجاه الله ثم طرد و أبعد. و لوط ع كذبه قومه و انتشرت فيهم فاحشة اللواط حتى قلب الله مدينتهم بأهلها و جعل عاليها سافلها. و قوم صالح ع كذبوه و عقروا الناقة فاهلكهم الله. و أولاد يعقوب ع أرادوا قتل أخيهم يوسف ع ثم ألقوه في الجب و باعوه بيع العبيد و أحزنوا أباهم حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ... و موسى ع من أولي العزم عاصر فرعون مدعي الربوبية و رام قتله فخرج من مصر خائفا يترقب يقتات من نبات الأرض و لاقى من بني إسرائيل الشدائد بعد ما خلصهم من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم و لم تجف اقدامهم من البحر حتى طلبوا منه أن يجعل الأصنام و لم تمض مدة طويلة حتى عبدوا العجل و قالوا اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، و حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة و حتى مسخوا قردة و خنازير، و خالفوا على وصي موسى يوشع بن نون و حاربوه. و عيسى ع من أولي العزم كذب و حاول قومه صلبه و دل عليه بعض أصحابه و هكذا سائر الأنبياء فعل بهم الأفاعيل، و قد قال النبي (ص) لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. و محمد (ص) لم يكن نصيبه بأقل من نصيب الأنبياء قبله من أممهم كذب و أوذي و طرد و راموا قتله، فخرج عنهم مستخفيا و كان طول حياته مشغولا بالحروب حتى ظهر امر الله و هم كارهون و كان في عصره كثير من المنافقين بنص الكتاب و راموا قتله يوم تبوك، فأعلمه الله بهم و بعده توالت الفتن و الحروب و انتقم اعداؤه من ذريته و أهل بيته، بعد موته، بما هو مشهور معروف ثم توالت الفتن و الحروب في جميع دول الإسلام إلى اليوم. و العصور إنما تكون مقدسة محترمة بأهلها فهذه أوائل عصور كل الأديان و الأمم كانت بهذه الصفة عند الله تعالى و عند أنبيائه و صالحي عباده و لم تكن مقدسة و لا محترمة إلا عند موسى تركستان. فأين هو أول العصور الذي كان مقدسا محترما و متى كان لا نراه وجد في زمان إلا ان يكون في عصر مؤلف الوشيعة الذي نفي من تركستان و لاقى ما لاقى ثم جاء إلى هذه البلاد ينفث السموم و يوقد نيران الفتن و يثير الضغائن و يفرق الكلمة و يؤلف الكتب و يطبعها و ينشرها.
و ياتي في الفصل الذي بعده ما له علاقة بهذا.
و أما ان أفضل العصور و خير القرون العصر الأول و القرن الأول و ان الأمة قد علمت ذلك علم اليقين. فالأمة ليس لديها ما تعلم به ذلك بل لديها من المشاهدات ما تعلم به عكسه علم اليقين. و الحديث الذي أشار اليه نقله أبو المعالي الجويني بلفظ خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه، و كذلك أورده نقيب البصرة كما ياتي و أرسله ابن حجر في الاصابة بلفظ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم و رواه صاحب أسد الغابة عن جعدة بن هبيرة المخزومي و رواه بعضهم عن جعدة بن هبيرة الأشجعي كما في تهذيب التهذيب و غيره، فهو مضطرب المتن و السند و لم تثبت صحته بل قد علم وضعه بمخالفته الوجدان فالعصور التي يقال فيها انها خير العصور انما يكون ذلك باعتبار أهلها و هي متساوية متماثلة دائما فيها الصالح و الطالح من عهد آدم ع إلى يومنا هذا و الغالب على أهلها الفساد و الصالحون فيها أفراد قلائل (و قليل ما هم و قليل من عبادي الشكور) سواء في ذلك اوائلها و أوساطها و أواخرها و وجود أنبياء و صلحاء في كل عصر لا يجعل الغالب على أهله الصلاح و لا يجعله خيرا من غيره.
و ما أحسن ما قاله بديع الزمان الهمذاني من جملة كتاب له إلى احمد بن فارس: و الشيخ يقول فسد الزمان أ فلا يقول متى كان صالحا. أ في الدولة العباسية فقد رأينا آخرها و سمعنا بأولها أم المدة المروانية و في اخبارها:
(لا تكسع الشول باغبارها)
«١» أم السنين الحربية:
و الرمح يركز في الكلى و السيف يغمد في الطلي
و مبيت حجر في الفلا و الحرتين و كربلاء
أم البيعة الهاشمية و علي يقول ليت العشرة منكم برأس من بني فراس. «٢» أم الأيام الأموية و النفير إلى الحجاز و العيون إلى الاعجاز أم الإمارة