أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٧٤
رهبان ليل يذكرون كلامه آساد غاب في الوغى ينهار
ثم تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع و لا داعية ميل إلى زوجة. و مثل ابن مسعود في ورعه و دينه إذا اعتقد حرمة زنا و قال أ لا نختصي لا يمكن ان يعتدي على القرآن يضرب بعض الآيات ببعضها يبتذل في سبيل سبقه آية لا تحرموا طيبات ما أحل لكم و لا تعتدوا، و اي فرق بين هذا الاعتداء و بين قول خليع يستحل زنا بغادة جميلة و يقول لا تحرموا و أقل صحابي (و لا أقل بين الصحابة) أجل من ان يبتذل آية مثل هذا الابتذال فكيف ابن مسعود و هو احفظ الصحابة و اقرأهم بلا استثناء و اعلم من أكثرهم و أشبههم أدبا و هديا بالنبي صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم.
(و نقول) (أولا) انه لم يرو ذلك الامام الطحاوي وحده بل رواه قبل الطحاوي أصحاب الصحاح و غيرهم. الامام البخاري. و الامام مسلم.
و الامام احمد بن حنبل و النسائي و ابن ماجة و غيرهم و هم الذين قال عنهم فيما ياتي عند ذكر متون الأحاديث انهم أئمة الأمة و ان لهم رواية محيطة و دراية نافذة واسعة و انهم نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة خالص النقود من زيوفها و انه ما فاتهم شيء من سنن النبي و أحاديثه و انه لم يبق في أحاديث الأمة زيف أو دخيل و هنا يقول هذا كلام لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة و هل هذا الا قدح في نقد هؤلاء الأئمة للأحاديث بأنه اختلط عليهم الأمر فجمعوا كلاما لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة لم يميزوا بينها فلفقوها و جمعوها و هل هذا إلا تناقض ظاهر و كم له في كلامه أمثال.
(ثانيا) لا أقبح و لا أبرد و لا أسخف من هذا العذر الذي اعتذره عن ترخيص النبي (ص) لهم في النكاح بالثوب إلى أجل بأنه ترخيص في الزنا لكونه أخف حرمة من الاختصاء فإنه لا يصدر ممن عنده ذرة من معرفة مع انه مناقض لما وصفهم به من انها تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع و لا داعية ميل إلى زوجة و لما وصف به ابن مسعود من الورع و الدين فمن تكون هذه صفتهم هل يتفوه من عنده ذرة من علم أو عقل بأنهم يقدمون على الزنا ثم يزيد بان النبي (ص) رخص لهم فيه لأنه أخف حرمة من الاختصاء هل يمكن ان يتكلم بمثل هذا مفلت من دبر هرقل و مناقض أيضا لأمر الله لهم بالصبر و المصابرة و لكن التناقض في كلامه لا شيء أرخص منه و أي حكمة في ذلك يمكن اسنادها إلى النبي (ص) و هم لم يريدوا بقولهم أ لا نختصي حقيقة و إنما أرادوا إظهار زيادة المشقة أي ما ذا نصنع أ نختصي فلم يبق بيدنا شيء نفعله إلا الاختصاء كما يقول المتضجر ما ذا افعل أ أقتل نفسي؟ فلا اضطرار هنا إلى أحد الأمرين يبيح الأخف ضررا منهما كانقاذ الاجنبية من الغرق المستلزم مس بدنها كما [هوا] هو واضح.
(ثالثا) زعمه ان ابن مسعود و غيره لم يغب عن أهله غيبة طويلة في عهد الرسالة تضطره للاختصاء هو رد للآثار الثابتة بالاستبعادات و التأويلات الخارجة عن مداليل الألفاظ و لو جاز التعويل عليها لم يسلم لنا حديث فكل يؤل على مشتهاه ان الاختصاء لم ترد حقيقته كما عرفت و هل كان مع الصحابة فعرف سرهم و علانيتهم و ظاهر أحوالهم و باطنها على ان عوامل الطبيعة في مثل ذلك كما تكون مع الغيبة الطويلة تكون مع القصيرة أمثال الشهر و الشهرين و الأقل و طبائع الأشخاص في ذلك مختلفة مع ان هذه الدعوى لو صحت لأبطلت عذره المتقدم من ان جواب النبي كان على أسلوب حكيم" إلخ"، كما لا يخفى. (رابعا) أحكام الشريعة كانت تنزل تدريجا فيجوز ان يكون حلية المتعة شرعت يومئذ و بذلك يبطل زعمه ان قوله أ لا نختصي يدل على ان حرمة التمتع كانت معلومة على انه قد قال فيما مر: كانت في عهد الرسالة تثبت سنة و تخفي على جماعة من الصحابة كثيرة و ان ابن عباس قد خفي عليه سنن في أبواب الربا و الصرف مع ما قيل عنه ان عنده ثلثي علم رسول الله (ص) فلأبن مسعود اسوة به فصح على مقتضى قوله ان يكون التمتع مشروعا و خفي عن جماعة كثيرة من الصحابة و لا ينافي ذلك ما وصف به ابن مسعود من صفات التعظيم.
(خامسا) ان صح ان أطول الغزوات كانت بعد نزول آية و ليستعفف لم يمنع ذلك ان يشكو ابن مسعود إلى الرسول (ص) مشقة العزوبة و يقول أ لا نختصي و الأمر الطبيعي لا يتنافى مع القيام بأدب الدين و إطاعة أوامر الكتاب و لا يرتبط بذلك و يمكن حصوله في المدة الطويلة و القصيرة و لا يرفعه الأدب و لا الخروج للجهاد في سبيل الله بل هو امر قهري من لوازم الطبيعة يحصل للمجاهدين و القاعدين و المتأدبين و القليلي الأدب و المطيعين لأوامر الكتاب و العاصين لها. فقول ابن مسعود أو غيره للرسول (ص) أ لا نختصي ليس عصيانا لقوله تعالى: (و ليستعفف) و لا خروجا عن أدب الدين بل هو شكاية إلى الرسول (ص) كما يدل عليه ما في رواية اخرى: شكونا إلى رسول الله العزبة و من عادة الاتباع ان يشكوا إلى متبوعهم كل ما ينوبهم خصوصا من هو احنى عليهم من الأب الشفيق و هم- كما مر- لم يريدوا حقيقة الاختصاء بل إظهار زيادة المشقة و الضجر فارشدهم إلى المتعة و أباحها لهم عن الله تعالى فكانت شكايتهم سببا لحصول الفرج لهم. و إذا كان ابن مسعود يعلم ان أمد الإغناء يمكن ان يمتد إلى سنين كان ذلك أدعى إلى ان يشتكي إلى الرسول العزبة و ابن مسعود لم يعلم بحلية المتعة قبل ذلك الوقت فبطل قوله هل كان أفقر من ان يكون له كف من بر و آية و ليستعفف لا دلالة لها على تحريم المتعة بشيء من الدلالات و لذلك لم يذكرها أحد في أدلته قبل هذا الرجل مع تشبثهم في ذلك بكل رطب و يابس اللهم الا ان يكون وقع ذلك من أحد أمثاله فهذا التكرار و التطويل و التهويش و التهويل بدون برهان و لا دليل لا يغني من فتيل و إن دلت على وجوب الاستعفاف عن الزنا من الذين لا يقدرون على التزوج لفقرهم حتى يغنيهم الله من فضله فيتمكنون من مهر الزوجة و نفقتها و المهر في كل من النكاح الدائم و المنقطع يجوز ان يكون كفا من بر أو درهما أو تعليم سورة أو قنطارا من ذهب و قد اجمع المسلمون كافة على ان كل ما يتمول يصح ان يكون مهرا في الدائم بل يصح بدون مهر أصلا كما نطق به القرآن الكريم و يكون لها مع الدخول مهر المثل و قد صرح الخليفة الثاني كما نقله هو فيما مر بان كفا من بر يصح ان يكون مهرا في النكاح الدائم و اعترف هو أيضا فيما مر بان أقوال الشيخين حجة كاقوال الرسول (ص) كما اجمع كل من قال بنكاح المتعة ان كل ما يتمول يصح ان يكون مهرا قل أو كثر ككف من بر أو درهم أو تعليم سورة أو قنطار من ذهب. و كما يمكن ان لا يقدر المرء على النكاح الدائم لفقره مع غلاء المهر و كثرة النفقة يمكن ان لا يقدر على المنقطع لعدم رضا المرأة بمهر قليل أو عدم رضاها بالمنقطع أصلا و لو بمهر كثير أو عدم تمكنه و لو من القليل كدرهم أو درهمين أو عدم رضاها بالمنقطع أصلا و لو بمهر كثير فيدخل تحت قوله لا يجدون نكاحا. و كما يمكن ان ترضى في المنقطع بمهر قليل ككف من بر أو درهم أو تعليم سورة يمكن ان ترضى بذلك في الدائم أو بغير مهر و يصح النكاح و ان تكون غنية فلا تكلف الزوج النفقة