أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٨٧
فان ثبت قول الرسول (ص) لا تجتمع امتي على ضلالة كان ذلك دالا على ان ما اتفقوا عليه هو من سنته و على طبق شريعته فهذا القيد الذي قيد به فضول فاسد و مر في المقدمات ان سيرة المسلمين و إجماعهم كاشف عن ان ذلك مما كان عليه النبي (ص) (قوله) و هذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين و اجمع عليه السلف الصالح من الصحابة و التابعين و الأئمة الأربعة ستعرف في الفصول الآتية عدم صحة هذه الدعوى و ان الذي اجمع عليه السلف الصالح و علماء المسلمين خلاف ما عليه الوهابية (أما) باقي الكتاب فيفهم رده مما مر في كلام ابن عبد الوهاب و الصنعاني فان كلماتهم كلها تدور على محور واحد. و عن تاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي انه حكى عن عبد اللطيف حفيد ابن عبد الوهاب انه قال: ذكر طرف من معتقد المغالين في القبور و الصالحين. و نذكر لك طرفا من معتقد هؤلاء ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن ان كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل و المن و لئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم و محالهم تشفعا و توسلا مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق. من ذلك محبتهم مع الله محبة تاله و خضوع و رجاء و دعاؤهم مع الله في المهمات و الملمات و الحوادث التي لا يكشفها و لا يجيب الدعاء فيها الا الله و العكوف حول أجداثهم و تقبيل اعتابهم و التمسح بآثارهم طلبا للغوث و استجابة الدعوات و إظهار الفاقة و إبداء الفقر و الضراعة و استنزال الغيوث و الأمطار و طلب السلامة من شدائد البراري و البحار و سؤالهم تزويج الأرامل و الأيامى و اللطف بالضعفاء و اليتامى و الاعتماد عليهم في المطالب العالية و تاهيلهم لمغفرة الذنوب و النجاة من الهاوية و إعطاء تلك المراتب السامية. و جماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم و فسدت به فطرهم و عز عنه امتناعهم لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى و الإنابة اليه بل ليس ذلك عندهم الا الولي الفلاني و مشهد الشيخ فلان حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضا عن الخروج للاستسقاء و الإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد و البلوى كل هذا رأيناه و سمعناه عنهم فهل سمعت من جاهلية العرب مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب و الكلام مع ذكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف بالحقائق و من لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات و التوحيد و اما ميت القلب بليد الذهن وضيع النفس جامد القريحة و من لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد و التعلق على ما يحكى عن فلان و فلان في معتقد أهل المقابر و التنديد فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج و خطابه محض عناء و لجاج. و من وقف على كتب المتصوفة و مناقب مشائخهم وقف على ساحل بحر من ضلالهم و في حاشية البيجوري على السنوسية نقلا عن الدردير عن الشعراني ان الله وكل بقبر كل ولي ملكا يقضي حاجة من سال ذلك الولي فقف هنا و انظر إلى ما آل اليه افكهم فأين هذا من قوله تعالى:
(و إذا سالك عبادي عني الآية. ادعوا ربكم تضرعا و خفية. فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب. أم من يجيب المضطر إذا دعاه. و قال ربكم ادعوني استجب لكم و اي حجة في هذا الذي قاله الشعراني لو كانوا يعلمون و لكن القوم أصابهم داء الأمم قبلهم فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. و من هذا الجنس ما ذكره الشعراني في ترجمة شمس الدين الحنفي انه قال في مرض موته من كانت له حاجة فليأت قبري و يطلب أن أقضيها له فإنما بيني و بينه ذراع من تراب و كل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل و باب تصرف المشايخ و الأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة و خرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء و أظلته المحيطة حتى نسي القصد الأول من التشفع و الوساطة فلا يعرج عليه عندهم الا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية و التدبير و التأثير و لم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية بل ذكر الله عز و جل انهم يعترفون له بتوحيد الربوبية و يقرون به و لذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية و التدبير على ما أنكروه من الالهية. و من عجيب أمرهم ما ذكره حسين بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله ان امرأة كف بصرها فنادت وليها أما الله فقد صنع ما ترى و لم يبق الا حبك انتهى (و روى) ان بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين رضي الله عنه بالقاهرة فاستقبلوا القبر و أحرموا و وقفوا و ركعوا و سجدوا لصاحب القبر حتى أنكر عليهم سدنة المشهد و بعض الحاضرين فقالوا هذا محبة في سيدنا الحسين و كثير من علماء مصر يقول لا يدق وتد في القاهرة الا باذن السيد احمد البدوي و قد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد و قصد التبرك مع ما فيه لا يمنع حقيقة العبادة الصورية و من المعروف عندهم شراء الولدان من الولي بشيء معين يبقى رسما جاريا يؤدى كل عام و ان كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها لأنها مشتراة منه و لا يمانع هذا الا مكابر في الحسيات و ان فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من نظائر و هذا أشد و أشنع مما ذكر جل ذكره عن جاهلية العرب (و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم و هذا لشركائنا) الآية و كذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها و لا تذبح و سوق الهدايا و القرابين إلى مشاهد الأولياء و ذبحها حبا للشيخ و تقربا اليه و هذا و ان ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريما مما ذبح و ذكر عليه اسم غير الله فان الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة. و من ذلك ترك الأشجار و الكلاء و العشب إذا كان بقرب المشهد و جعله من ماله (و منها) الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله فيطوفون حول الضريح و يستغيثون و يهدون لصاحب القبر و يذبحون و بعض مشائخهم يأمر الزائر بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة و قد صنف بعض غلاتهم كتابا سماه حج المشاهد (و منها) التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور فيصلون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين و العراق فيه من ذلك الحظ الأكبر بل فيه البحر الذي لا ساحل له و المهامة التي لا ينجو سالكها و لا يكاد و من نحوه عرف الكفر و ظهر الشرك و الفساد كما يعرف ذلك من له إلمام بالتواريخ و مبدأ الحوادث في الدين و من شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي و الحسين و موسى الكاظم و محمد الجواد رضي الله عنهم عند رافضتهم و الشيخ عبد القادر و الحسن البصري و الزبير و أمثالهم رضي الله عنهم عند سنتهم من العبادات و طلب العطايا و المواهب و التصرفات و أنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق و أضلهم و انهم في غاية من الكفر و الشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام و الله المسئول ان ينصر دينه و يعلي كلمته و يمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده فتسلم الوجوه له و تعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها انتهى.
(و نحن) نبين لك باجلى بيان ان ما نسبه إلى المسلمين و إلى زوار قبور