أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٧٥
تدعوا مع الله أحدا) ستعرف انه من السخافة بمكان. فالذي أوجب شركهم و كفرهم و أحل قتالهم تبديلهم دين الله و تكذيبهم رسله و عبادتهم الصور و التماثيل من دون الله لا مجرد التشفع بالصالحين إلى الله. و بذلك تعرف ان توحيد العبادة الذي جحدوه ليس هو عدم التشفع و التوسل بالصالحين إلى الله و ان هذا التشفع ليس عبادة لغير الله و لا منافيا لتوحيد الله في العبادة و ان ما يسميه المسلمون الاعتقاد لا محذور فيه فإنهم لم يعتقدوا في الأنبياء و الصالحين الا بما جعلهم الله له أهلا (قوله) و كانوا يدعون الله ليلا و نهارا و منهم من يدعو الملائكة لصلاحهم و قربهم ليشفعوا له أو رجلا صالحا كاللات أو نبيا كعيسى. و عبادتهم للملائكة لم تكن مجرد تشفعهم بهم بل فعلهم معهم ما هو من خصائص الربوبية و اعتقادهم مماثلتهم لله و أنهم بناته إلى غير ذلك كما مر مفصلا. و عبادتهم للات الذي هو رجل صالح لم تكن مجرد التشفع به إلى الله بل السجود و أنواع العبادة لحجر زعموا انه على صورته مع نهي الله لهم عن ذلك على لسان أنبيائه إلى غير ذلك مما مر. و عبادة النصارى لعيسى ع ليست مجرد التشفع به إلى الله بل أثبتوا له جميع صفات الالهية كما مر و كيف يتوهم عاقل ان عبادتهم له مجرد التشفع به ان هذا لمخالفة للمحسوس و تكذيب للقرآن و تمويه و تضليل (قوله) و أنه قاتلهم ليكون الدعاء و النذر و الذبح و الاستغاثة و جميع العبادات كلها لله سياتي الكلام على الأربعة المذكورة كل في فصله و ما تقدم هنا حديث اجمالي و قد ظهر ان قوله: ان قصدهم الملائكة و الأنبياء و الأولياء يريدون شفاعتهم و التقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم و أموالهم كذب و افتراء على الله و على رسوله بل الذي أحل دماءهم و أموالهم تبديلهم للأصنام بالوجوه التي ذكرناها من دون أمر من الله بل عنادا و خلافا عليه لا مجرد تشفعهم و توسلهم بالصالحين.
و من ذلك يعلم انهدام و فساد كل ما بناه على هذا الأساس الفاسد من تفسير كلمة التوحيد التي دعا النبي (ص) المشركين إلى الإقرار بها بان المراد بالاله فيها ما يعم من قصد لأجل الشفاعة و نحوها و أنه ليس المراد به الخالق الرازق المدبر فقط لأنهم كانوا يعلمون ان ذلك لله وحده فان المبنى في الكل واحد و هو توهم ان الاستغاثة و التشفع إلى الله بذوي المكانة عنده يوجب اتخاذهم آلهة و يكون عبادة لهم و قد عرفت و ستعرف مفصلا فساد هذا التوهم و سخافته و أن التشفع بذوي المكانة و ما يجري مجراه ليس عبادة لهم و لا يوجب اتخاذهم آلهة لهم و ان قياسهم على عباد الأصنام و الكواكب و عيسى و مريم و الملائكة جهل أو عناد و أن تفضيل جهال مشركي قريش و عبدة الأصنام على المسلمين اليوم من أعظم الجهالات و الافتراءات و أقبحها و أنه لا يظن و لا يحتمل أحد من المسلمين ان الإسلام هو التلفظ بكلمة التوحيد من دون اعتقاد معناها و لا يظن حاذق منهم و لا غيره ان معناها لا يخلق و لا يرزق الا الله و كلهم يعلمون ان من كذب الرسل و خالفهم و عمل عمل عبدة الأصنام أو أنكر شيئا من ضروريات الدين كافر لكنهم لا يعتقدون أن من عظم الذي أمر الله بتعظيمه و استشفع بمن جعله الله شافعا و توسل بمن جعل الله له الوسيلة كافر و مشرك مع أنه لم يخرج عن امر الله و طاعته فاي الفريقين أحق بنسبة الجهالة اليه لو كانوا يعلمون (و كذلك) ظهر فساد قوله و إنما يعنون بالاله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد فان المسلمين الذين سماهم المشركين لا يعنون بلفظ السيد معنى ينافي العبودية الخالصة و انما يعنون به ان له منزلة عند الله أوجبت امتيازه عن غيره و ان يقبل الله شفاعته و يسمع دعاء من تشفع به اليه كرما منه تعالى و فضلا فهم لم يثبتوا له الا ما أثبته الله اما الوهابية فنفوا عنه ما جعله الله له و نسبوا إلى المسلمين ما هم منه براء فكانوا أشبه بالمشركين الذين خالفوا الله و رسله و نسبوا إلى الرسل و اتباعهم ما هم منه براء (أما) اطلاق السيد على غير الله تعالى بل و الرب فلا مانع منه إذا لم يقصد به معنى ينافي العبودية الخالصة لله تعالى كما ستعرفه في الفصل الخاص به مفصلا و حاش لله أن يقصد به أحد من المسلمين معنى ينافي العبودية الخالصة لله تعالى.
و مما ذكرنا تعلم فساد المحكي في تاريخ نجد عن ابن عبد الوهاب و إذا كان المشركون لم يزعموا أن الأنبياء و الأولياء و الصالحين و الملائكة شاركوا الله في خلق السماوات و الأرض أو ذرة من الذرات كما قال فلا دليل يدلنا على انهم لم يزعموا استقلالهم بشيء من التدبير و التأثير و آية: (ان أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) لا تنفي ذلك إذ لم يظهر منهم الاعتراف بذلك بل الظاهر و الله أعلم انه من قبيل الاحتجاج عليهم و إظهار بطلان معتقدهم انها تكشف الضر و تمسك الرحمة فلا يدل على انهم لا يعتقدون أنها كذلك و بذلك يحسن موقع الاستفهام فيكون إنكاريا لا تقريريا و هم لم يقروا بجميع تلك الجمل مع انهم كانوا يعبدون صور الأنبياء و الصالحين لا أنفسهم و كانوا يقولون عن الملائكة انها بنات الله و من عبد المسيح يعتقد فيه ما يعتقد في الله كما مر ذلك كله و إذا كانوا لا يعتقدون في الأوثان ما ورد في الآيات مما أقروا به فلا دليل على انهم لا يعتقدون غيره من صفات الربوبية كما مر مفصلا اما ما أطال به من قوله ان مجرد الإتيان بلفظ الشهادة إلخ فهو تطويل بلا طائل فلسنا نكتفي بمجرد الإتيان بلفظ الشهادة كالكرامية و لكن أين العرش حتى تنقش و كون الايمان مجرد التصديق عند الجهمية لا يظهر لذكره فائدة غير التطويل و مثله الاستشهاد بآية المنافقين التي لا مساس لها بما نحن فيه و الاطالة في تفسيرها.
و مما بيناه من عدم وقوع العبادة المنهي عنها من أحد من المسلمين لنبي و لا صالح و لا قبر و لا غيره تعرف انهدام ما بناه على ذلك من قوله من شهد ان لا اله الا الله و عبد غيره فلا شهادة له (ثبت العرش ثم أنقش) و كذا الاستشهاد بباقي الآيات.
ثم قال محمد بن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات «١» إذا تحققت ان الذين قاتلهم رسول الله (ص) أصح عقولا و أخف شركا من هؤلاء فاعلم ان لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا و هي من أعظم شبههم ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه إلينا و هي ان الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون ان لا اله الا الله و يكذبون الرسول و ينكرون البعث و يكذبون القرآن و يجعلونه سحرا و نحن نشهد الشهادتين و نصدق القرآن و نؤمن بالبعث و نصلي و نصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك (فالجواب) انه لا خلاف بين العلماء ان من صدق رسول الله (ص) في شيء و كذبه في شيء أو آمن ببعض القرآن و جحد بعضه كافر كما قال الله تعالى: (ان الذين يكفرون بالله و رسله و يريدون ان يفرقوا بين الله و رسله و يقولون نؤمن ببعض و نكفر ببعض و يريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) و لما لم ينقد أناس للحج نزل فيهم: (و لله على الناس حج البيت إلى قوله و من كفر الآية) فإذا كان من صدق الرسول في كل شيء و كذبه في شيء واحد كالبعث أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم و المال فكيف إذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا