أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٧٤
اتخذوهم أربابا من دون الله كما يدل عليه قوله تعالى في سورة آل عمران: (ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) إلى قوله تعالى: (و لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا أ يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) و في هذا دليل على أنهم فعلوا أو اعتقدوا بالنسبة إليها ما هو من خصائص الربوبية و لا يليق الا بالله تعالى من سجود و نحوه من أنواع العبادات و الاعتقادات و ليس لنا ما يدل على انه لم يصدر منهم الا مجرد التشفع بالملائكة إلى الله (و ذكر) صاحب الكشاف في تفسير الآية انه (ص) كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة و اليهود و النصارى عن عبادة عزير و المسيح فلما قالوا له أ نتخذك ربا قيل لهم ما كان لبشر الآية و قوله تعالى في ذيلها أ يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين و هم الذين استأذنوه ان يسجدوا له (انتهى) و في ذلك دليل على ان اتخاذهم الملائكة أربابا كان من هذا السنخ بارادة عبادتهم لهم بالسجود و غيره كما أرادوا ان يتخذوه (ص) ربا و يسجدوا له (و كانوا) يقولون في الملائكة انهم بنات الله كما قالت اليهود و النصارى في عزير و المسيح انهما ابنا الله و قد أخبر الله تعالى عنهم بذلك كله بقوله في سورة الزخرف:
(و جعلوا له من عباده جزءا. أم اتخذ مما يخلق بنات و أصفاكم بالبنين. و إذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا و هو كظيم. و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا. و قالوا لو شاء الله ما عبدناهم) ففي قوله تعالى لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أربابا دليل على فعلهم معها ما هو من خصائص الربوبية كما مر و قوله تعالى: (لو شاء الله ما عبدناهم) صريح في عبادتهم لهم و لا شيء يدل على أنها كانت مجرد الاستغاثة و التشفع بل ما مر يدل على عدمه (و قوله) بما ضرب للرحمن مثلا دليل على جعلهم لها مماثلة لله تعالى و مشابهة له لأن الولد مماثل للوالد و من جنسه و كذلك قوله من عباده جزءا (قال صاحب الكشاف) فجعلوهم جزءا له و بعضا منه كما يكون الولد بضعة من والده و جزءا له (انتهى) و افتروا على الله في ذلك عدة افتراءات (إحداها) نسبة الولد إلى الله تعالى (ثانيتها) نسبتهم اليه أخس النوعين الذي كانوا إذا بشر به أحدهم ظل وجهه مسودا و هو كظيم و وأده حيا (ثالثتها) جعلهم لها من الملائكة الذين هم من أكرم عباد الله عليه فاستخفوا بهم (رابعتها) نسبتهم إلى الله تعالى أنه رضي لهم عبادة الملائكة. و بذلك ظهر أن كفرهم ليس لمجرد استغاثتهم بالملائكة و تشفعهم و توسلهم بهم و ستعرف ان الملائكة ممن ثبتت لهم الشفاعة باعتراف الوهابية فالمتشفع بهم ليس مخطئا فضلا عن ان يكون مشركا و كذا المتشفع بالنبي (ص) و من جعل الله له الشفاعة فليس مخطئا فضلا عن ان يكون مشركا فكيف يقاس من يستغيث و يتشفع و يتوسل بنبي أو وصي ليشفع له إلى الله تعالى بالمشركين في عبادتهم الملائكة و كون قريش لم تكن تعتقد في الملائكة انها تخلق و ترزق و تدبر الأمر من دون الله بدليل (قل من يرزقكم من السماء و الأرض إلى قوله فسيقولون الله) لا يدل على ان كفرها و شركها لتشفعها و توسلها و استغاثتها بالملائكة لأن الشرك يكون بغير اعتقاد الخلق و الرزق مما مر في صدر الكلام و لو كان الصادر منها الاستغاثة بالملائكة و التشفع بها فقط لم يكن ذلك موجبا لشركها و كفرها (و اما من عبد المسيح و أمه) فلم يكن منه مجرد الاستغاثة و التوسل و طلب الشفاعة قطعا بل جعل المسيح (ع) إلها مستحقا لجميع صفات الألوهية و قد أخبر الله تعالى عنهم في القرآن تارة بأنهم قالوا إن الله هو المسيح بن مريم و تارة أنهم قالوا إن الله ثالث ثلاثة المسيح أحدهم و ذلك انهم قالوا الأقانيم الثلاثة اله واحد و تارة أنهم اتخذوه و أمه الهين من دون الله بقوله تعالى: (أ أنت قلت للناس اتخذوني و أمي الهين من دون الله) و تارة ان المسيح ابن الله فتسوية ابن عبد الوهاب بين من يستغيث و يتشفع و يتوسل من المسلمين إلى الله بنبي أو ولي جعل الله له الشفاعة و الوسيلة و جعله مغيثا بدعائه و جاءت الأخبار بأنه حي بعد الموت و بين من يعبد المسيح و أمه تمويه و تضليل.
(و أما قوم نوح (ع) فقد فعلوا فعل مشركي قريش من تكذيب الرسل و انكار ما جاءت به و عبادة غير الله كما أخبر بذلك عنهم القرآن الكريم و كفى ذلك في كفرهم و لم يرد في دليل قوي و لا ضعيف ان عبادتهم لغير الله كانت مجرد التشفع و التوسل اليه بالصالحين و انهم كانوا يقيمون جميع شرائع الدين سوى هذه و ان نوحا (ع) ما بعث الا لينهاهم عن التوسل بالصالحين و التشفع بهم و أي كتاب أو سنة نطق بذلك. بل انهم قد غلوا في الصالحين و عبدوهم بما نهى الله عنه كما أخبر الله عنهم في كتابه العزيز اما انه لم يصدر منهم الا مثل ما يصدر من المسلمين من الاستغاثة و التوسل و التشفع بالصالحين فهو تخرص على الغيب بل افتراء محض و كذا غيرهم من أمم الأنبياء ع و ظاهر قوله تعالى حكاية عن قوم هود في خطابهم لهود ع (ان نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) اعتقادهم بأنها قادرة مختارة بنفسها على الضر و النفع و الاعتراء بسوء فظهر ان عبادة المشركين للأصنام لم تكن مجرد الاستغاثة و التوسل و التشفع إلى الله بذوي المكانة عنده كما توهم الوهابيون. و سياتي كلام في مثل ذلك في رد كلام الصنعاني و ياتي له مزيد توضيح في الباب الثالث (إن شاء الله).
(قوله) فبعثه الله يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم إلخ قد ظهر بطلانه مما مر فان دين أبيهم إبراهيم الذي بعث محمد (ص) لتجديده ليس هو عبارة عن عدم التشفع بالصالحين و لا داخلا فيه (أما) انه ليس عبارة عن عدم التشفع بالصالحين فلأن دين أبيهم إبراهيم الذي جدده لهم رسول الله (ص) هو ترك ما كانوا يفعلونه من المحرمات و الموبقات التي مر بعضها كالبحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي و النسيء و الطواف بالبيت عراة و نكاح أزواج آبائهم و الخمر و الميسر و إكراه فتياتهم على البغاء و وأد بناتهم و سجودهم للأصنام و ذكر أسمائها على ذبائحهم و تركهم الصلاة و استبدالها بالمكاء و التصدية و غير ذلك فهذا و أمثاله مما بدلوه من دين أبيهم إبراهيم هو الذي بعث رسول الله (ص) لتجديده لهم (و اما) ان عدم التشفع و التوسل بالصالحين ليس داخلا فيما جدده لهم فلأن ذلك و ما يجري مجراه لم ينههم الرسول (ص) عنه فضلا عن أن يكون بعثه محصورا في ذلك بل أقرهم على التشفع و التوسل الذي هو نوع من طلب الدعاء منه بما حث عليه من سؤال الدعاء من المؤمنين و بما أخبرهم به من ان الله تعالى جعل له الشفاعة و الوسيلة و أكرمه بذلك كما ستعرفه مفصلا في الفصول الخاصة بذلك و لا ينكره الوهابيون.
(قوله) و يخبرهم ان هذا التقرب و الاعتقاد محض حق الله هذا افتراء على الله و على إبراهيم ع فمتى أمر الله تعالى محمدا (ص) أن يخبرهم انه لا يجوز طلب الشفاعة ممن له الشفاعة و ان طلبها محض حق لله لا يجوز طلبها من غيره و متى أخبرهم محمد (ص) بان لا يطلبوا منه الشفاعة بل الأمر بالعكس فقد أخبرهم بأنه الشفيع المشفع و صاحب الوسيلة و لازم ذلك ان يطلب منه ما جعله الله له و لم يقل لهم حين أخبرهم بذلك ان طلب الشفاعة منه شرك و كفر مع انه أمرهم بطلب الدعاء من الغير و طلب الشفاعة لا يخرج عن ذلك كما ستعرف و تشبث الوهابية للمنع بآية: (لله الشفاعة جميعا. فلا